(1) تقريرا بأن الله تعالى قد أنزل التوراة فيها هدى ونور. وأوجب على النبيين والربانيين والأحبار المنقادين المسلمين إليه أن يحكموا بين اليهود بموجب ما فيها من شرائع وأحكام حيث صاروا عليها بما نالوه من علم ووصلوا إليه من مرتبة حفاظا وشهداء. وأن لا يخافوا من أحد غير الله وأن لا يبيعوا آياته وأحكامه بالثمن البخس.
(2) وإيذانا بأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر به لا تصح منه دعوى الإيمان.
وقد تضمنت ثانيتهما:
(1) تقريرا بأن الله قد كتب على اليهود في التوراة قصاص النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن وقصاص الجروح الأخرى جروحا مماثلة لها.
(2) وإيذانا بأن العفو جائز. وهو بمثابة صدقة يتقرب بها الذي يعفو إلى الله. وأن من يعفو عن شيء من حقه في القصاص يكون عفوه كفارة عن ذنوبه.
(3) وإيذانا مكررا من الله بأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم بانحرافه عن حدوده وشرائعه.
ولقد روى الطبري عن الزهري أن الآية الأولى نزلت في صدد مراجعة اليهود في قضية الزنا حينما رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويلحظ أن الآية ليست وحدها وأنها
منسجمة مع الآية التي بعدها التي تذكر أحكام الدماء دون الزنا. ثم بما بعدها من الآيات التي تذكر الإنجيل ثم القرآن كسلسلة واحدة حيث يتبادر أكثر أنها استمرار للسياق السابق على سبيل البيان والاستطراد. ونرجح أن الآيتين نزلتا مع الآيات السابقة أو عقبها مباشرة. وروحهما تلهم بقوة كما قلنا قبل أن القضية التي أراد اليهود التقاضي فيها عند النبي ونشأ عنها المشهد الذي احتوته الآيات السابقة هي قضية دم. وأنهما استهدفتا تقرير كون حكم الله في قضايا الدم واضح في التوراة وكون واجب علماء اليهود وحكامهم هو الحكم بها وعدم الانحراف عنها والرضاء بذلك إذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم بينهم بها. والتنديد بهم لمحاولتهم الانحراف عن أحكام الله وإهمالها.