فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 126400 من 466147

والحق يقول: {فاعف عَنْهُمْ واصفح إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين} ؛ لأن الإحسان إليهم يهيج فيهم غريزة العرفان بالجميل ، فيستل ذلك الإحسان الحقد من قلوبهم ، ويفتحون آذانهم وقلوبهم لكلمة الحق: {فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]

لأن العداوة لا تشتد إلا إذا وُجد مُؤجج لها من عداوة في المقابل . فعندما تعامل عدوك بالحسنى ولا ترد على عدائه بالعدوان فكم من الزمن يصير عدواً لك؟ إنه اعتدى مرة وسَكّتَّ أنت عليه ، واعتدى ثانية وسكت أنت عليه . لا بد أنه يهدِّئ من نفسه .

إذن فالعداوة لا تتأجج إلا إذا قابلتها عداوة أخرى . ولذلك نرى ما حدث في المعركة التي قامت بين فرعون وسيدنا موسى عليه السلام حين أراد الله أن يجعل العداوة لا من جهة واحدة ولكن من جهتين اثنتين لتكون معركة حامية ؛ لأن العداوة لو كانت من جهة واحدة لهذا الطرف المعتدي: {فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 8]

فهل هم التقطوه ليكون عدواً؟ لا . لقد التقطوه ليكون قرة عين . ولكن قدر الله سبق . كان الأمل في أن يصير موسى قرة عين آل فرعون ، ولكن الله أراد أن يقوموا بتربيته ، ثم يصير من بعد ذلك عدواً لهم . وهكذا يتضح لنا أن تدبير السماء فوق تدبير الأرض . وموسى السامري مثلاً ربته السماء بواسطة جبريل ، وولدته أمه منقطعا في الصحراء ، فكان جبريل ينزل عليه بما يطعمه إلى أن كبر ، وموسى ابن عمران ذهب إلى فرعون ليربيه ، لكن موسى السامري - الذي رباه جبريل - صار كافراً ، وموسى بن عمران الذي رباه فرعون أصبح رسولاً إلى بني إسرائيل . وكلا القدرين أرادهما الله ، ولذلك يقول الشاعر:

إذا لم تصادف في بريق عناية ... فقد كذب الراجي وخاب المؤمل

فموسى الذي رباه جبريل كافر ... وموسى الذي رباه فرعون مرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت