وإذا كان هذا شأن معجزات هذين الرسولين - مع بعد العهد، وتشتت شمل أمتيهما في الأرض، وانقطاع معجزاتهما - فما الظن بنبوة من معجزاته وآياته تزيد على الألف؟ والعهد بها قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرهم، ونقلها ثابت بالتواتر قرنا بعد قرن. وأعظهما معجزة كتاب باق غض طرى لم يتغير ولم يتبدل منه شيء ، بل كأنه منزل الآن، وهو القرآن العظيم، وما أخبر به يقع كل وقت على الوجه الذي أخبر به كأنه كان يشاهده عيانا؟.
(فصل)
وقد اختلف أقوال الناس في التوراة التي بأيديهم: هل هي مبدلة، أم التبديل والتحريف وقع في التأويل دون التنزيل؟
على ثلاثة أقوال طرفين، ووسط.
فأفرطت طائفة وزعمت أنها كلها أو أكثرها مبدلة مغيرة. ليست التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام، وتعرض هؤلاء لتناقضها وتكذيب بعضها لبعض:
وغلا بعضهم. فجوز الاستجمار بها من البول.
وقابلهم طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام، فقالوا: بل التبديل وقع في التأويل، لا في التنزيل.
وهذا مذهب أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
قال في صحيحه:"يحرفون: يزيلون. وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله تعالى ولكنهم يحرفونه: يتأولونه على غير تأويله".
وهذا اختيار الرازي في تفسيره.
وسمعت شيخنا يقول: وقع النزاع في هذه المسألة بين بعض الفضلاء. فاختار هذا المذهب ووهن غيره، فأنكر عليه، فأحضر لهم خمسة عشر نقلا به.
ومن حجة هؤلاء: أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها، وانتشرت جنوبا وشمالا. ولا يعلم عدد نسخها إلا الله تعالى. ومن الممتنع أن يقع التواطؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ. بحيث لا يبقى في الأرض نسخة إلا مبدلة مغيرة. والتغيير على منهاج واحد. وهذا مما يحيله العقل، ويشهد ببطلان.
قالوا: وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم محتجا على اليهود بها: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] .
قالوا: وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم، ولم يمكنهم تغييرها من التوراة، ولهذا لما قرؤوها على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وضع القارئ يده على آية الرجم. فقال له عبد الله بن سلام:
"ارْفَعْ يَدَكَ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ".
فرفعها فإذا هي تلوح تحتها. فلو كانوا قد بدلوا ألفاظ التوراة لكان هذا من أهم ما يبدلونه.
قالوا: وكذلك صفات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومخرجه هو في التوراة بين جدا. ولم