وقال أبو حاتم والزجاج وغيرهما: وهذا القول بعيد، لأن الذين جمعوا القرآن من الصحابة كانوا أهل اللغة والقدوة، فكيف يتركون في كتاب الله شيئًا يصلحه غيرهم، وهم الذين أخذوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجمعوه، ولم يكونوا ليُعلِّموه الناس على الغلط، فهذا مما لا ينبغي أن يُنسب إليهم، والقرآن محكم لا لحن فيه، ولا فيه شيء تتكلم العرب بأجود منه في الإعراب.
ولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا باب يسمونه: باب المدح، وقد بينوا فيه صحة هذا وجودته. قالوا: إذا قلت: مررت بزيد الكريم، فإن أردت أن تُخلِّص زيدًا من غيره، فالخفض وجه الكلام حتى يعرف زيد الكريمُ من غير الكريم، وإن أردت المدح والثناء نصبت، فقلت: الكريمَ، كأنك قلت: أذكُرُ الكريمَ، وإن شئت على: هو الكريمُ. وجاءني قومك المطعمين في المَحْل والمُغيثون في الشدائد، على معنى: أذكر المطعمينَ وهم المغيثون، وكذلك هذه الآية، معناها: أذكر المقيمين وهم المؤتون للزكاة، وأنشدوا قول خرنق:
لا يَبْعَدن قومي الذين همُ ... سُمُّ العداة وآفةُ الجُزْرِ
النازِلين بِكُلِّ مُعْتَركٍ ... والطيبونَ معاقِدَ الأزْرِ
على معنى: أُذكر النأزلين وهم الطيبون، رفعه ونصبه على المدح، وبعضهم برفع النأزلين وينصب الطيبين، وهذا قول جميع البصريين، وعلى هذا القول المؤرِّج والفراء وأبو العباس.
وقد ذكرنا شرح هذا الباب عند قوله: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ} [البقرة: 177] .
وقال أبو علي: نص سيبويه على أن قوله: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاة} نصب على المدح.