وَهَاهُنَا سِرٌّ لَطِيفٌ فِي كَوْنِ الْمُحَرَّمَاتِ لَا يُسْتَشْفَى بِهَا، فَإِنَّ شَرْطَ الشِّفَاءِ بِالدَّوَاءِ تَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ، وَاعْتِقَادُ مَنْفَعَتِهِ، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ بَرَكَةِ الشِّفَاءِ، فَإِنَّ النَّافِعَ هُوَ الْمُبَارَكُ، وَأَنْفَعُ الْأَشْيَاءِ أَبْرَكُهَا، وَالْمُبَارَكُ مِنَ النَّاسِ أَيْنَمَا كَانَ هُوَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ حَيْثُ حَلَّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اعْتِقَادَ الْمُسْلِمِ تَحْرِيمَ هَذِهِ الْعَيْنِ مِمَّا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اعْتِقَادِ بَرَكَتِهَا وَمَنْفَعَتِهَا، وَبَيْنَ حُسْنِ ظَنِّهِ بِهَا وَتَلَقِّي طَبْعِهِ لَهَا بِالْقَبُولِ، بَلْ كُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَعْظَمَ إِيمَانًا، كَانَ أَكْرَهَ لَهَا وَأَسْوَأَ اعْتِقَادًا فِيهَا، وَطَبْعُهُ أَكْرَهَ شَيْءٍ لَهَا، فَإِذَا تَنَاوَلَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ كَانَتْ دَاءً لَهُ لَا دَوَاءً إِلَّا أَنْ يَزُولَ اعْتِقَادُ الْخُبْثِ فِيهَا، وَسُوءُ الظَّنِّ وَالْكَرَاهَةُ لَهَا بِالْمَحَبَّةِ، وَهَذَا يُنَافِي الْإِيمَانَ، فَلَا يَتَنَاوَلُهَا الْمُؤْمِنُ قَطُّ إِلَّا عَلَى وَجْهِ دَاءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...