فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الحكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي المَعَاشِ وَالمَعَادِ، وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَكُلُّ خَيْرٍ فِي الْوُجُودِ فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْهَا، وَحَاصِلٌ بِهَا، وَكُلُّ نَقْصٍ فِي الْوُجُودِ فَسَبَبُهُ مِنْ إضَاعَتِهَا، فَالشَّرِيعَةُ الَّتِي بَعَثَ الله بِهَا رَسولَهُ هِيَ عَمُودُ الْعَالمِ.
الله -عَزَّ وَجَلَّ- أفعاله كلها حكمة، فلا يناقض عدل رحمته:
أسماء الله كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب وأفعاله كلها حكمة ورحمة مصلحة وإحسان وعدل لا تخرج عن ذلك البتة وهو المحمود على ذلك كله فيستحيل إضافة الشر إليه، فالنعم كلها من نعم الله وفضله على عبده وهو سبحانه لا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها ولا يناقض جوده ورحمته وفضله حكمته وعدله.
فأهل الإيمان من أهل السنة والجماعة يعملون أن الله أنعم عليهم بالطاعات، وأنها من نعمته عليهم وفضله وإحسانه، وأن المعاصي من نفوسهم الظالمة الجاهلة.
الله -عَزَّ وَجَلَّ- خلق خلقه وأقدرهم على فعل الخير والشر ابتلاء:
ويتساءل أهل الباطل ويقولون: إذا كان الرب قادرًا على الفضل بمثل الثواب والعقاب ابتداءَ بلا واسطة عمل، فلما شرع التكاليف والبلوى والمشاق في هذه الحياة وأهل السنة يجيبونهم عن ذلك بالقول: لو أن الرب تعالى خلق خلقه ممنوعين من المعاصي غير قادرين عليها بوجه لم يكن لإرسال الرسل وإنزال الكتب والأمر والنهى والثواب والعقاب سبب يقتضيه ولا حكمة تستدعيه وفي ذلك تعطل الأمر جملة، بل تعطيل الملك والحمد والرب تعالى له الخلق والأمر وله الملك والحمد والغايات المطلوبة والعواقب المحمودة التي لأجلها أنزل كتبه وأرسل رسله وشرع شرائعه وخلق الجَنَّة والنار ووضع الثواب والعقاب وذلك لا يحصل إلا بأقدار العباد على الخير والشر وتمكينهم من ذلك فأعطاهم الأسباب والآلات التي يتمكنون بها من فعل هذا وهذا.