ومن قال: جميع النسخ بعد النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم حرفت فقد قال ما يعلم أنه خطأ ، والقرآن يأمرهم أن يحكموا بما أنزل الله في التوراة والإنجيل ويخبر أن فيهما حكمه ، وليس في القرآن خبر أنهم غيّروا جميع النسخ ، وإذا كان كذلك فنقول: هو سبحانه قال: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ الله فيه} [المائدة: 47] ، وما أنزله الله هو ما تلقوه عن المسيح ، فأما حكايته لحاله بعد أن رفع فهو مثلها في التوراة ذكر وفاة موسى عليه السلام ، ومعلوم أن هذا الذي في التوراة والإنجيل ، من الخبر عن موسى وعيسى بعد توفيهما ، ليس هو مما أنزله الله ومما تلقوه عن موسى وعيسى ، بل هو مما كتبوه [في المطبوع: كبتوه] مع ذلك التعريف بحال توفيهما ، وهذا خبر محض من الموجودين بعدهما عن حالهما ، ليس هو مما أنزله الله عليهما ، ولا هو مما أمرا به في حياتهما ، ولا مما أخبرا به الناس وكذلك: {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مّن رّبّكُمْ} [المائدة: 68] ، وقوله: {وَلَوْ أَنّهُمْ أَقَامُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مّن رّبّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} [المائدة: 66] ، فإن إقامة الكتاب ، العمل بما أمر الله به في الكتاب ، ومن التصديق بما أخبر به على لسان الرسول .
وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك ، ليس هو مما أنزله الله على الرسول ، ولا مما أمر به ، ولا أخبر به ، وقد يقع مثل هذا في الكتب المصنفة ، يصنف الشخص كتاباً فيذكر ناسخه ، في آخره ، عمر المصنف ونسبه وسنه ، ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف ، ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن ، وأن لا يكتب في المصحف غير القرآن ، فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس والتعشير ولا (آمين) ، ولا غير ذلك .