قال رعاه الله: يعلم الواقف على حقائق التاريخ أن مسألة الصلب من أهم المسائل التي ولدت الشقاق والنفرة فيما بين النصارى عموماً ونصارى مصر والشام في الأجيال الأولى خصوصاً ، فإنهم كانوا غالباً يرفضون حصول الصلب رفضاً باتاً ، لأن بعضهم كان يعتبره إهانة لشرف المسيح ، ونقصاً فاضحاً ، والبعض الآخر كان يجحده ارتكاناً على الأدلة التاريخية ، وهؤلاء الجاحدون للصلب طوائف كثيرة ، منها: الساطر نيوسيون والمركيونيون والبارديسيانيون والتإتيانيسيون والكاربو كراتيون والمانيسيون والبارسكاليونيون والبوليسيون ، إذ كلهم اعتقدوا ، مع كثيرين غيرهم ، بأنه لا يمكنهم أن يسلموا بنوع من الأنواع ، أن المسيح سمر فعلاً ، أو مات على الصليب حقيقة ، حتى استَخَفُّوا بالصليب والصلب ، وقال بعض المؤرخين الأفاضل: إن الخلاف الذي وقع بين النصارى في مبدأ الأمر الذي كان سبباً في انسلاخ جملة طوائف وتشتتها واعتبارها في رأي آخرين مارقة من الدين ، ولكن هذه الطوائف المضطهدة الهضومة كانت أفكارها منطبقة على الأصول النصرانية عقلاً ونقلاً ، بخلاف أفكار مضطهديهم ، فإن هذه الطوائف بنت على ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام أنهلا يجوز أن يمتهن ، واستنتجت من هذا أنه لم يصلب قطعاً ، وأن ألفاظ التوجع والتضجر ، التي نسبتها إليه كتب النصارى المتأخرين ، لم يتفوه بها ولا تصح نسبتها إليه ، وبالجملة إن الشخص المصلوب غير عيسى قطعاً ، وأنه عليه الصلاة والسلام لم تسلط عليه أيدي مضطهديه ، بل رفع إلى السماء ، ومن القائلين ، بهذه الأفكار الدوسيتية والمرسيونية والفلنطانيائية ، وغير خاف أنه حتى على فرض البنوة فقط ، لا يمكن عقلاً أن يتصور صلبه . انتهى .