وأما قوله: كيف كان الفرض قبل ورود النص ببطلان صلبه ؟ الإقرار بصلبه أم الإنكار له ؟ فهذه قسمة فاسدة شغبية ، قد حذر منها الأوائل كثيراً ، ونبه عليها أهل المعرفة بحدود الكلام ، وذلك أنهم أوجبوا فرضاً ثم قسموه على قسمين: إما فرض بإنكار ، وإما فرض بإقرار ، وأضربوا عن القسم الصحيح فلم يذكروه ، وهذا لا يرضى به لنفسه إلا جاهل أو سخيف مغابط غابن لنفسه ، غاش لمن اغتر به ، وإن الحقيقة ههنا أن يقول ، هل يلزم الناس ، قبل ورود القرآن فرض بالإقرار بالصلب المسيح ، أو بإنكار صلبه ، أو لم يلزمهم فرض بشيء من ذلك ؟ فهذه هي القسمة الصحيحة والسؤال الصحيح ، وحق الجواب أنه لم يلزم الناس قط ، قبل ورود القرآن فرض بشيء من ذلك ، لا بإقرار ولا بإنكار ، وإنما كان خبراً لا يقطع العذر ولا يوجب العلم الضروري ، ممكن صدق قائله ، فقد قتل أنبياء كثيرة وممكن أن يكون ناقله كذب في ذلك ، وهو بمنزلة شيء مغيب في دار ، فيقال لهذا المعرض بهذا السؤال الفاسد: ما الفرض على الناس فيما في هذه الدار ؟ الإقرار بأن فيها رجلاً أم الإنكار لذلك ؟ فهذا كله لا يلزم منه شيء ، ولم ينزل الله عز وجل كتاباً قبل القرآن بفرض إقرار بصلب المسيح صَلّى اللهُ عليّه وسلّم ولا بإنكاره ، وإنما ألزم الفرض بعد نزول القرآن بتكذيب الخبر بصلبه ، فإن قالوا: قد نقل الحواريون صلبه وهم أنبياء وعدول ، قيل لهم وبالله التوفيق: الناقلون لنبوتهم وأعلامهم ولقولهم بصلبه عليه السلام ، هم الناقلون عنهم الكذب في نسبه والقول بالتثليث الذي من قال به فهو كاذب على الله تعالى ، مفتر عليه ، كافر به ، فإن كان الناقل لذلك عنهم صادقاً أو كانوا كافة ، فما كان"يوحنا"و"متّى"و"بولس"إلاَّ كفاراً كاذبين ، وما كانوا قط من صالحي الحواريين .
وإن كان ناقل ما ذكرنا عنهم كاذباً ، فالكاذب لا يقوم بنقله حجة ، فبطل التمويه المتقدم ، والحمد لله رب العالمين .
فصل