قال أبو محمد - رَضِي اللّهُ عَنْهُ -: وأما قوله: قد جوزتم التمويه على الكافة ، فقد بينا أنها لم تكن كافة قط ، وحتى لو صح أنها كافة فكيف لا يجوز ذلك في كل آية تحيل الطبائع والحواس ؟ فهو ضرورة لا يحمل على الممكنات ، فلو صح أنها كانت كافة ، لكان خبر الله تعالى أنه شبه لهم ، حاكماً على حواسهم ومحيلاً لها ، كخروج النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم ليلة هاجر بحضرة مائة رجل من قريش ، وقد حجب الله سبحانه أبصارهم عنه فلم يروه ، وأما ما لم يأت خبر عن الله عز وجل بأنه شبه على الكافة ، فلا يجوز أن يقال ذلك ، لأنه قطع على المحال وإحالة طبيعية ، وحالة الطبائع لا تدخل في الممكن ، إلا أن يأتي بذلك يقين عن الله عز وجل ، فيلزم قبوله ، وأما التشبيه على الواحد والاثنين ونحو ذلك فإنه جائز ، وكذلك فقد العقل والسخافة يجوز ذلك على الواحد والاثنين ونحو ذلك ، ولا يجوز على الجماعة كلها ، وقوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبّهَ لَهُمْ} إنما هو إخبار عن الذين يقولون تقليداً لأسلافهم من النصارى واليهود أنه عليه السلام قتل وصلب ، فهؤلاء شبه لهم القول ، أي: أدخلوا في شبهة منه ، وكان المشبهون لهم شيوخ السوء في ذلك الوقت ، وشُرَطهم المدَّعون أنهم قتلوه ، وهم يعلمون أنه لم يكن ذلك ، وإنما أخذوا من أمكنهم فقتلوه وصلبوه في استتار ومع من حضور الناس ، ثم أنزلوه ودفنوه تمويهاً على العامة التي شبه الخبر لها .