وما كان الحواريون ليلتئذ بنص الإنجيل إلا خائفين على أنفسهم ، غُيَّباً عن ذلك المشهد ، هاربين بأرواحهم مستترين . وأنَّ"شمعون الصفا"غُرِّر ودخل دار"قيقان"الكاهن أيضاً بضوء النهار فقال له: أنت من أصحابه ؟ فانتفى وجحد ، وخرج هارباً عن الدار . فبطل أن ينقل خبرَ صلبه أحدٌ تطيب النّفس عليه على أن تظن به الصدق ، فكيف أن ينقله كافة ؟ وهذا معنى قوله تعالى: {وَلَكِن شُبّهَ لَهُمْ} إنما عنى تعالى أن أولئك الفساق ، الذين دبروا هذا الباطل ، وتواطؤوا عليه ، هم شبهوا على من قلدهم ، فأخبروهم أنهم صلبوه وقتلوه ، وهم كاذبون في ذلك ، عالمون أنهم كذبة ، ولو أمكن أن يشبه ذلك على ذي حاسة سليمة ، لبطلت النبوات كلها ، إذ لعلها شبهت على الحواس السليمة ، ولو أمكن ذلك لبطلت الحقائق كلها ، لأمكن أن يكون كل واحد مما يشبه عليه فيما يأكل ويلبس ، وفيمن يجالس ، وفي حين هو فلعله نائم ، أو مشبه على حواسه ، وفي هذا خروج إلى السخف وقول السفسطائية والحماقة ، وقد شاهدنا نحن مثل ذلك ، وذلك أننا أنذرنا للجبل لحضور دفن المؤيد هشام بن الحكم المستنصر ، فرأيت أنا وغيري نعشاً فيه شخص مكفن ، وقد شاهد غسله شيخان جليلان حكمان من حكام المسلمين ومن عدول القضاة ، في بيت ، وخارج البيت أبي رحمه الله وجماعة عظماء البلد ، ثم صلينا في ألوف من الناس عليه ، ثم لم يلبث شهوراً نحو السبعة حتى ظهر حياً ، وبويع بعد ذلك بالخلافة ، ودخلت عليه أنا وغيري وجلست بين يديه ، ورأيته ، وبقي ثلاثة أعوام غير شهرين وأيام .