وهذا يحتمل أنهم يسألونه عن ذاته أو عن رسالته ، على أنا لو سلمنا كثرة عددهم وصدق معرفتهم يمكن تواطؤهم على الكذب ، لأنهم لما لم يجدوه هو ، ولم يعلموا محل المسيح ، وكان ذلك من تلاميذه ، واستحلوا قتله أيضاً ، أشاعوا أنه هو المسيح ليترك الناس متابعته ، ولئلا يتخذوا المسيح نبياً ، وصمموا ، أنهم إذا وجدوا المسيح بعد هذا أيضاً ، يعملون به كما عملوا بصاحبه ، ويؤيد هذا أنهم جعلوا على القبر حراساً لئلا ينبش القبر ويُرى أنه غير المسيح ، ومما يزيد الأمر وضوحاً قول"إنجيل متى"في (الإصحاح الثامن والعشرين) : أن مريم لما جاءت لزيارة القبر رأت ملكاً قد نزل من السماء برّجة عظيمة ، فدحرج الحجر عن فم القبر ، وجلس عنده ، فكاد الحراس أن يموتوا من هيبته ، وبادروا من فورهم إلى المشايخ فأعلموهم بالقصة ، فأرشاهم المشايخ برشوة أن يستروا القصة وأن يشيعوا أن التلاميذ سرقوه ونحن نيام ، فما يؤمنكم أن تكون هذه العصابة من اليهود ، كما أنهم ستروا الآية التي ذكرتم ، صلبوا شخصاً من أتباعه وأوهموا الناس أنه المسيح ، فإذا تبين عدم الاحتجاج بإجماع اليهود ، والنصارى الآن على صلبه ، فنرجع إلى القرائن العقلية والنقلية ، فأما العقل فلا يجوز أن الإله القادر على كل شيء يقتله أذل عباده ، وهم اليهود ، ويضربونه ويعملون به ما هو محرر في أناجيل النصارى المضطربة المحرفة المكتوبة بعد رفعه بسنين عديدة وأعوام مديدة ، مع أنه يفرّ منهم مرات كثيرة ويستغيث ويطلب من الله تعالى تأخير أجله بقوله: أجز عني هذه الكاس ، ويصرخ ويقول: إلهي ! إلهي ! لم تركتني ؟ ويسلم روحه ، وعند الصلب يطلب منهم الماء لكثرة عطشه ، فيعطوه خلاً بدله ، وأي خلاص لعباده في هذه الحالة ، وهو بزعمهم أتى ليخلص العالم من الخطيئة ، بل صار موقعاً لهم في الإثم بسبب عدم إيمانهم به ، فكيف يكون مخلصاً بنفسه ؟