وقال في"تخجيل الأناجيل": فيقال للنصارى: ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه ، أتنقلونه من تواتر أم آحاداً ؟ فإن زعموا أنه آحاد لم يقم بذلك حجة ، ولم يثبت العلم الضروري ، إذ الآحاد لم يأمن عليهم فيها السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب ، وإذا كان الآحاد يعرض عليهم ذلك ، فلا يحتج بهم في القطعيات ، وإن عزوا ذلك إلى التواتر قلنا لهم: شرط التواتر استواء الطرفين فيه والوسط ، وهو أن ينقل الجم الغفير عن الجم الغفير الذين شاهدوا المشهود به ، وهو المصلوب ، وعلموا أنه هو ضرورة ، فإن اختل شيء من ذلك فلا تواتر ، فإن زعم النصارى أن خبرهم في قتل المسيح وصلبه بهذه الصفة ، أكذبتم نصوص أناجيلهم التي بأيديهم ، إذ قال لهم نقلتها الذين دوّنوها لهم وعليها معولهم: إنه لما أخذ فقتل كان في شرذمة يسيرة من تلاميذه ، فلما أقبل عليه هربوا بأسرهم ، ولم يتبعه إلا بطرس من بعيد ، ولما دخل الدار اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته ، فقالت: هذا كان مع يسوع ، فحلف أنه لا يعرف يسوع بقوله ، وخادعهم حتى تركوه ، وذهب ولم يكد يذهب ، وأن شاباً آخر تبعه وعليه إزار فتعلقوا به ، فترك إزاره بأيديهم وذهب عرياناً ، فهؤلاء أصحابه وأتباعه ، لم يحضر منهم ولا رجل واحد بشهادة أناجيلهم ، وأما أعداؤه اليهود ، الذين تزعم النصارى أنهم حضروا الأمر ، فلم يبلغوا عدد التواتر ، بل كانوا آحاداً وأفراداً ، لأن عموم الناس الذين حضروا لا يرون إلا شخصاً على خشبة ومعه لصان مصلوبان ، ولا شك أن هيئتهم وصفتهم متغيرة عن الحالة التي قبل أخذهم ، وأما المشايخ ونحوهم فلم يعرفوه أيضاً ، ففي الإصحاح الثاني والعشرين من"إنجيل لوقا"ما لفظه: فلما كان النهار اجتمع مشايخ الشعب ورؤساء الكهنة وأدخلوه إلى مجمعهم ، وقالوا له: إن كنت أنت المسيح فقل لنا: فقال لهم: إن قلت لكم لم تؤمنوا لي ، وإن سألتكم لم تجيبوني ولم تخلوني . انتهى .