وثانيها: سلمنا أن الحس يتعلق بالتفرقة بين المثلين ، والتمييز بين الشبهين ، ولكن لا نسلم أن العدد المباشر للصلب كانوا بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب ، ويدل على أنهم ليسوا كذلك ، أن الحواريين فروا عنه ، لأنه لو وجد أحد منهم لقتله اليهود ، فحينئذ عدد التواتر متعذر من جهة شيعة النصارى عن أسلافهم ، لا يفيد علماً بل هو ظن وتخمين لا عبرة به ، لذلك قال الله سبحانه في قرآنه المبين: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} أي: هم لا يتيقنون ذلك ، بل يحزرون بالظن والتخمين ، وأما من جهة الملة اليهودية ، فلأن المباشر منهم للصلب إنما هو الوزعة وأعوان الولاة ، وذلك في مجرى العادة يكون نفراً قليلاً ، كالاثنين أو الثلاثة ونحوها ، يجوز عليهم الكذب ولا يفيد خبرهم العلم بكون العادة وخرج الصلب عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب يفتقر إلى نقل متواتر ، فإنه لو وقع ونقل بأخبار الآحاد لم يحصل لنا علم بالصلب فإن المتواترات إذا نقلت بأخبار الآحاد ، سقط اعتبارها في إفادة العلم ، لجواز كذب الناقل ، فلا يكون عدد التواتر حاصلاً في نفس الأمر ، والنصارى واليهود إنما يعتمدون على التوراة والإنجيل ، ولا يوجد يهودي ولا نصراني على وجه الأرض يروي التوراة والإنجيل ، عدلاً عن عدل ، إلى موسى وعيسى عليهما السلام ، وإذا تعذرت عليهم رواية العدل عن العدل ، فأولى أن يتعذر التواتر ، ولم يبق في الكتابين إلا أخبار وتواريخ بعيدة الزمان جداً ، بحيث إن التواريخ الإسلامية أصح منها ، لقرب عهدها ، مع أنه لا يجوز الاعتقاد في فروع الديانات على شيء من التواريخ ، فضلاً عن أصول الأديان ، وإذا ظهر أن مستند هاتين الأمتين العظيمتين في العدد ، في غاية الضعف - كانت أخبارها في نفسها في غاية الضعف ، لأن الفرع لا يزيد على الأصل .
وثالثها: أن نصوص الإنجيل مُشعرة بعدم صلب عيسى عليه السلام بخصوصه ، كما نقلنا بعضاً آنفاً .