وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكرا منه، للتنويه بشأن الطاعة، وللتشريف للمطيع، ولتعليم عباده أن يشكروا للمحسنين إحسانهم. فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث يقول:
وهو الشكور. فلن يضيع سعيهم ... لكن يضاعفه بلا حسبان
ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشان
كلا ولا عمل لديه بضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان
إن عذبوا فبعدله، أو نعموا ... فبفضله، والحمد للرحمن
وإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التي بدأت بقوله - تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين في المجتمع الإسلامي، وأماطت اللثام عن طباعهم المعوجة، وأخلاقهم القبيحة، ومسالكهم الخبيثة، وهممهم الساقطة، ومصيرهم الأليم. وذلك لكي يحذرهم المؤمنون، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم. ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنافقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم. وأخيرا تجيء تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذي توعد الله به المنافقين، وبعد ذكر الأجر العظيم الذي وعد الله به المؤمنين. أخيرا بعد كل ذلك تجيء الآية الكريمة التي تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين بأكثر مما يستحقون من خير عميم، ونعيم مقيم، وما أحكم قوله - تعالى: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً إنها لآية كريمة تحض الناس على أن يقبلوا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة، ويطيعوه حق الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 3/ 350 - 364} ...