لأن غاية ذلك وقوع المنازعة بين يدي الله عز وجل ، وذلك لا يسلتزم أخذ التائب بذلك الذنب ، ولا تخليده في النار ، على فرض عدم التوبة ، والتوبة النافعة ، ههنا ، هي الاعتراف بالقتل عند الوارث ، إن كان له وارثٌ ، أو السلطان ، إن لم يكن له وارث ، والندم على ذلك الفعل ، والعزم على ترك العود إلى مثله ، لا مجرد الندم والعزم ، بدون اعتراف ، وتسليم للنفس أو الدية إن اختارها مستحقها ، لأن حق الآدمي لا بد فيه من أمر زائد على حقوق الله ، وهو تسليمه أو تسليم عوضه بعد الاعتراف به ، فإن قلت: فعلى ما تحمل حديث أبي هريرة وحديث معاوية المذكورين في أول الباب ؟ فإن الأول يقضي بأن القاتل أو المعين على القتل يلقى الله مكتوباً بين عينيه: الإياس من الرحمة ، والثاني يقضي بأن ذنب القتل لا يغفره الله - قلت هما محمولان على عدم صدور التوبة من القاتل ، والدليل على هذا التأويل ، ما في الباب من الأدلة القاضية بالقبول عموماً وخصوصاً ، ولو لم يكن من ذلك إلا حديث الرجل القاتل للمائة ، الذي تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، وحديث عُبَاْدَة بن الصامت المذكور قبله ، فإنهما يلجئان إلى المصير إلى ذلك التأويل ، ولا سيما مع ما قدمنا من تأخر حديث عبادة ، ومع كون الحديثين في الصحيحين ، بخلاف حديث أبي هريرة ومعاوية ، وأيضاً في حديث معاوية نفسه ما يرشد إلى هذا التأويل ، فإنه جعل الرجل القاتل عمداً مقترناً بالرجل الذي يموت كافراً ، ولا شك أن الذي يموت كافراً مصراً على ذنبه غير تائب منه ، من المخلدين في النار ، فيستفاد من هذا التقييد أن التوبة تمحو ذنب الكفر ، فيكون ذلك القرين الذي هو القتل أولى بقبولها .