وقد تسند التوبة إلى الحق فيقال:"تاب الله عليه"ومراحل التوبة ثلاث: حين يشرع الله التوبة نقول: تاب الله على العباد فشرع لهم التوبة فلا أحد يتوب إلا من باطن أن الله شرع التوبة ؛ لأنه لو لم يشرع الله التوبة لتراكمت على العباد الذنوب والخطايا.
وتشريع التوبة هو تضييق شديد لنوازع الشر ، فلو لم يشرع الله التوبة لكان كل من ارتكب ذنباً يعيث في الأرض بالفساد ، فحين شرع الله التوبة عصم المجتمع من الأشرار. فلأنه شرّع التوبة ، فهو - سبحانه - يتوب ، هذه هي المرحلة الأولى. وما دام الله قد شرع التوبة فالمذنب يتوب ، هذه هي المرحلة الثانية ، وساعة شرع الله التوبة ويتوب المذنب فالله يقبل التوبة ، هذه هي المرحلة الثالثة.
وهكذا نرى دقة القرآن حين قال:
{ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] .
وبعد أن يتوبوا فإن الله يقبل التوبة عن عباده.
إذن فالتوبة الأولى من الله تشريع. والتوبة الثانية من الله قبول ، والوسط بينهما هي توبة الإنسان.
ويذيل الحق الآية: {تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} فسبحانه يشرع التشريع الذي يجعل النفوس تحيا في مُناخ طبيعي وفي تكوينها الطبيعي ، فلو تصورنا أن إنساناً قد قُتل خطأ وتركنا أهل المقتول بلا ترضية فلن يستفيد المجتمع الإيماني من قتله.
إذن فالعلم من الله بالنفس البشرية جعل من قتل خطاً يُفيد المجتمع الإيماني بتحرير رقبة ، فيزيد المجتمع إنساناً حراً يتحرك حركة إيمانية ؛ لذلك اشترط الحق أن تكون الرقبة مؤمنة ، حتى نضمن أن تكون الحركة في الخير ، فنحن لا نحرر رقبة كافرة ؛ لأن الرقبة الكافرة عندما تكون مملوكة لسيد فشرها محصور ، لكن لو أطلقناها لكان شرها عاماً.