وبعد هذا القول {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} لكي تصنع البسط في نفوس أهله ليعقب القبض نتيجة خبر القتل. ولذلك نجد أسرة قد فجعت في أحد أفرادها بحادثة وعاشوا الحزن أياماً ثم يأخذون الأوراق ويصرفون بها الدية أو التعويض ، مما يدل على أن في ذلك شيئاً من السلوى وشيئاً من التعزية وشيئاً من التعويض ، ولو كانت المسألة مزهوداً فيها لقالوا:"نحن لا نريد ذلك"، ولكن ذلك لا يحدث.
وبعد ذلك نجد الذي فقد حياة حبيب لا يظل في حالة حزن ليفقد حياة نفسه ، ففي الواقع يكون الحزن من الحزبين على نفسه بمقدار ما فات عليه من نفع عندما قُتل له القتيل ، والحزين إنما حزن لأن القتيل كان يثري حياته ، فلما مات صارت حياة النفع منه بلا إثراء.
ولو رأينا إنساناً يحزن لفقد واحد وقلنا له: احتفظ بجثمانه لمدة أسبوع لترتوي من أشواقك إليه ، وبعد ذلك نأخذه منك لندفنه أيرضى ؟. لن يرضى أبداً بذلك. أو نقول للحزين:"لن نقدم لك طعاماً لمدة أسبوع لأنك في حالة حزن هنا لن يوافق الحزين ، وزوجة الفقيد تذرف عيناها الدمع وتبكي عليه لكنها تأكل وتشرب."
إذن فالمسألة يجب أن تكون واضحة لاستقبال أقضية الحق وهي أقضية لا تنقض نواميس الله في الكون.
وبعد ذلك يريد الحق أن يشيع التعاطف بين الناس ، فإذا قال أهل القتيل لأهل القاتل: نحن لا نريد دية ، لأن مصيبتكم في القتيل مثل مصيبتنا فيه ، وكلنا إخوة فما الذي يجري في المجتمع ؟. الذي يحدث من النفع هو أضعاف أضعاف ما تؤدية الدية ، إذن فهذا تربيب للدية ، فساعة يعرف الطفل في العائلة أنه كان مطلوباً منهم دية لأن أباه قد قَتَل ، وعفا أهل القتيل فلم يأخذوا الدِّية ، هذا الطفل سيعرف عندما يَشِبُّ ويعقل الأمور أن كل خير عند أسرته ناتج من هذا العفو وهذه العفّة ، فيحدث الود.