ولذلك أريد أن تلاحظوا في أحداث الحياة شيئا يمر علينا جميعا ، ولعل كثيراً منا لا يلتفت إليه ، مع أنه كثير الحدوث ، مثلاً: إذا كنا جالسين في مجتمع وجاء واحد وقال:"فلان مات"، وفي هذا المجتمع أناس يعرفونه معرفة عامة. وآخرون يعرفونه معرفة خاصة ولهم به صلة ، وأناس من أهله ، وفيه والد الميت أو ابنه ، انظروا إلى أثر النعي أو الخبر في وجوه القوم ، فكل واحد سينفعل بالقدر الذي يصله ويربطه بمن مات. فواحد يقول:"يرحمه الله"وثانٍ يتساءل بفزع:"كيف حدث ذلك"؟ وثالث يبكي بكاء مراً ، ورابع يبكي جارياً ليرى الميت. والخبر واحد فلماذا يتعدد أثر وصدى الانفعالات ، ولماذا لم يكن الانفعال واحداً ؟
نقول: إن الانفعال إنما نشأ قهراً بعملية لا شعورية على مقدار نفع الفقيد لمن ينفعل لموته ؛ فالذي كان يلتقي به لِمَاماً ويسيراً في أحايين متباعدة يقول:"رحمه الله". والذي كان يجالسه كل عيد يفكر في ذكرياته معه ، وحتى نصل إلى أولاده فنجد أن المتخرج الموظف وله أسرة يختلف انفعاله عن الخريج حديثاً أو الذي يدرس ، أو البنت الصغيرة التي ما زالت تتلقى التعليم ، هؤلاء الأولاد يختلف تلقيهم للخبر بانفعالات شتى ، فالابن الذي له أسرة وله سكن يتلقى الخبر بانفعال مختلف عن الابن الذي ما زال في الدراسة ، وانفعال الابنة التي تزوجت ولها أسرة يختلف عن انفعال الابنة التي ما زالت لم تجهز بعد.
إذن فالانفعال يحدث على مقدار النفعية ، ولذلك قد نجدها على صديق أكثر مما نجدها على شقيق. وقالوا: من أحب إليك ، أخوك أم صديقك ؟. قال: النافع. إذن تلقى خبر انتهاء الحياة يكون مختلفاً ، فالحزن عليه والأسف لفراقه إنما يكون على قدر إشاعة نفعه في المجتمع.