فهرس الكتاب

الصفحة 919 من 1109

لا تكاد تجد عدداً من أعداد المجلات الثقافية والأدبية في عصرنا إلا وفيه حديث عن الإبداع، وكأنه صار غاية في حدِّ ذاته، وشيئاً لابدَّ منه، وهاجساً لدى الكتّاب، فيتكلفون في وضع كتاباتهم في هيئة (إبداعية) ولو لم يكونوا من أهل (الإبداع) ، بأن يأتوا بكلام غامض، أو ينقلوا نصًّا فلسفيًّا، أو تحليلاً نفسياً لبعض"كبار"الكتاب. ويجري هذا خاصة لدى"الحداثيين"، المبتلين بالخوض في قضايا ليست من ثقافتنا، فينقلون من الغرب، ويقلدون أساليبهم، ولا يدركون جوانب الموضوع، فيتفلسفون، يعني يحومون حول الموضوع ليصلوا إليه باللفّ والجدل والدوران، ويطبقونه على التراث، أو على واقعنا وثقافتنا وبيئتنا الإسلامية ...

والذي يهمني في هذا المقال أن أهمس في أذن بعض المفتونين بـ"الإبداع"من الكتّاب المسلمين، وبعضهم يقف في هذا الجانب عن حسن ظن، يعني بتطوير الثقافة الإسلامية والأدب الإسلامي وعدم التشبث بالأسلوب"الكلاسيكي"في تقديمهما للجيل المعاصر، أقول له: إن أداء الإبداع مثل كرة مطاطية أو جوفاء يُلعَب بها، فيتفنن اللاعبون في ضربها وقذفها، وهم قد يصيبون الهدف وقد لا يصيبون، فالإبداع أداء، أداء فكرة بأسلوب ما، وليس غاية في حدِّ ذاته. وقد يكون الإبداع ظرفًا، أو أسلوبًا، أو حقيقة كلامية، يمكن أن يحمل أفكاراً في موضوعات ثقافية وعلمية وأدبية وفلسفية، ويقدِّمها الكاتب للناس بهدف التأثير في نفوسهم. فنحن الآن أمام كيفية إيصال هذه الفكرة، يعني كيف نقدِّم فكرة، جديدة أو عادية، للقارئ، أو السامع، لنؤثر فيه؟ هل يكون عن طريق الإبداع، يعني بأسلوب عصري جديد حيوي متفلسف، أو عن طريق الخطاب المباشر، ويكون مقالاً رصينًا، أو حتى عاديًا مقبولاً؟

لنقل أولاً إن هذا الطرح ليس وليد اليوم، بل هو معالجة (بيانية) قديمة من أيام الجاحظ وعبدالله بن المقفع، ودينياً من أيام المحاسبي رحمه الله، فالأدباء (المبدعون) لم يكتفوا بنقل الخبر كما يفعل أهل الأخبار، مثل أبي العيناء والأصمعي وعمرو بن العلاء، بل ناقشوا وعالجوا وحلَّلوا قبل أو بعد تقديم الخبر، أو قدَّموه بأسلوب جديد. ولا يُنكَرُ هذا، مثل جهود الجاحظ في"البيان والتبيين"، كما لا تُنكَر القيمة العلمية لكتاب"عيون الأخبار"لابن قتيبة الدينوري. ولا يُغني أحدهما عن الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت