لا يشعر القارئ بالعربية بأي فارق بين الذي كتبه العلماء في بلاد الهند والسند - بمفهومها الجغرافي السابق - وبين ما كتبه علماؤنا في المشرق، حتى يومنا هذا، فالبيئة متقاربة، والرحلات العلمية والدينية والتجارية مازالت قائمة بين الهند والجزيرة العربية خاصة، والتواصل الثقافي مستمر بين المدارس العلمية في بلاد الهند والحجاز ودول الخليج عامة وما جاورها من العراق وبلاد فارس، ومن الأدلة على ذلك أن العلامة المودودي أو أبا الحسن الندوي أو محمد إقبال عندما يُذكرون فكأنما تُذكر شخصيات معروفة جدًا في البلاد الناطقة بالعربية، وكتبهم رائجة ومتوافرة أكثر من كتب كثير من علماء البلاد، ولا يخفى أن هناك كتبًا لعلماء الهند السابقين لا يزال انتشارها مستمرًا ومؤثرًا في بلاد المسلمين عامة، بل إن بعضها تعدّ مراجع لا غنى عنها، مثل كتاب"كشاف اصطلاحات الفنون"للتهانوي رحمه الله، الذي ألفه سنة 1158 هـ، ومعظم كتب العلامة محمد صديق القنَّوجي المتوفى سنة 1307 هـ، مثل كتابه"فتح البيان في مقاصد القرآن"و"الدين الخالص"، و"حسن الأسوة بما ثبت عن الله ورسوله في النسوة"، ومثل كتاب"الرفع والتكميل في الجرح والتعديل"للكهنوي، وكتاب"إظهار الحق"لرحمة الله الكرانوي، وهو عديم النظير في بيان إبطال دين النصارى.
وللتأريخ يذكر الأستاذ جميل أحمد أن الكتاب العربي الوحيد الذي وصل إلينا في حلة اللغة الفارسية هو"جج نامه"، أقدم مصدر ألف في تاريخ فتوح بلاد السند، كتبه آباء الفقيه إسماعيل بن علي الثقفي السندي القاضي بمدينة الرور، ورآه علي بن الحامد الكوفي السندي عندما اجتمع به في عام 613 هـ، فنقله إلى اللغة الفارسية. قال: لا نستطيع أن نضبط تاريخ تأليفه، لكن من الأغلب أنه ألف حوالي سنة 225 هـ، إذ أكثر رواياته عن أبي الحسن علي المدائني، والمدائني توفي إما سنة 215 هـ أو سنة 225 هـ.
وقد ألف الأستاذ جميل كتابًا رائعًا أرَّخ فيه للمؤلفات العربية في جانب من بلاد الهند وفي عصر محدد منه، وقد سبق صدوره بعنوان:"حركة التأليف باللغة العربية في الإقليم الشمالي الهندي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر"، صدر في طبعتين، عن وزارة الثقافة بدمشق عام 1397 هـ، وعن جامعة الدراسات الإسلامية بكراتشي وبتوزيع دار الوفاء بالمنصورة بدون تاريخ، وعدد صفحاته في الطبعتين (647 ص) .
ووضع لها فوائد وتعليقات وتحقيقات مفيدة، مع فهارس مفصلة.