فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 1109

مؤلف وقصة

القاضي والأرملة وغرماؤها

الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله عالم علاّمة، من رجالات المدينة المنوَّرين، درَّس في المسجد النبوي أعوامًا متطاولة، وكان قاضيًا في المدينة أيضًا، وله مؤلفات عديدة، مطبوعة، ومهيأة للطبع، ومخطوطة. وقد توفاه الله تعالى عام 1420 هـ. قال:

ذات يوم رُفعت إليَّ من قبل الشرطة شكوى من امرأة توفي زوجها، وخلَّف لها عدة أطفال، وقد وجدتُ في أوراقه أن له ديونًا عند بعض الناس مقابل أعمال قضاها لهم. فأحضرت الشرطة هؤلاء الذين يطالبهم الزوج بالديون، فأنكروا أن يكون في ذمتهم حق للمتوفَّى، وأظهروا استعدادهم لليمين، وأنهم يستطيعون أن يحلفوا. وحضرت الأرملة مع أطفالها إلى المحكمة، وتبيَّن لي أن لا بيِّنة لديها سوى تلك القيود. يقول: وفي الجلسة الأولى، حضرت المدَّعية وأحد الغرماء، واستوقفت الكاتب عن كتابة الدعوى، ثم استدنيتُ الرجلَ وقربته مني، وأجريت معه هذا الحوار، فقلت له: هل تعرف خصمك في هذه القضية؟ فقال: نعم، هذه المرأة الحاضرة. قلت كلا، إن خصمك هو زوجها، فهل تعلم أين هو؟ لقد توفي، حقًا لقد توفي، وترك هذه الأرملة وهؤلاء الأيتام، ولا شك لديك أنك ماض إلى ما مضى إليه، وأنك معروض معه على الله عز وجل الذي سيسألك عن دعواه، وهو أعلم بما أنتما عليه، ولا يحتاج إلى بيِّنةٍ، ولا تخفى عنه خافية. فما الذي يؤمِّنك أنه يخلصك من عذابه ذلك اليوم، فأجب به الآن، واليوم أوسع لك من ذلك الموقف الذي لا درهم فيه ولا دينار، فماذا تقول في دعوى هذه المرأة؟ فأطرق الرجل مليًّا ثم قال: أمهلني يا شيخ في الإجابة إلى الغد. وسألته: ولِمَ الإمهال؟ قال: لأراجع حسابي مع المتوفَّى. ولمست في هيئته ولهجته أنه يريد الحق، فأخّرته أسبوعًا ..

وهكذا فعلتُ مع بقية الغرماء، وكانت النتيجة واحدة مع الجميع.

وفي اليوم المحدَّد أدلى كل منهم باعتراف يفوق المبلغ المدَّعى به عليه، ومنهم من أحضر المال فسدد ما عليه، واستمهل بعضهم إلى موعد الراتب آخر الشهر.

ولن أنسى وقع هذا الموقف في نفس تلك الأرملة، لقد غلبتها دموع الفرح، ورفعت يديها بالشكر الحار إلى الله عز وجل الذي وفق إلى كل هذا الخير. وإني لأسأل في غبطة لا توصف: هل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت