نصح الشيخ طاهر الجزائري أحد تلامذته بما معناه: إذا لازمتَ الكتابَ آثرتَ العزلة.
وفي هذا القول نصيب كبير من الحقيقة، ذلك أن استفادة الإنسان من الكتاب أسرع وأشمل، والوقوف فيه على ما يرغب من العلوم آكد، وأقول: هذا بعد قراءة العلوم الأساسية، والدراسةُ فيها على أهل العلم والمشايخ يثبتها أكثر، فإنها تعطي مجالاً للمناقشة والشرح ... والعلم يزيد بين اثنين.
لكن طالب العلم (منهوم) لا يشبع، فلا تجد أحداً يقتصر في تعلمه على العلماء، بل لابدَّ له من روافد يسقي بها جوانب نفسه العطشى، التي لا تكاد تهدأ للبحث عما هو مجهول عنها، وطلب المزيد من المعلومات ...
وعلى مدى الأيام والشهور والسنوات تتشكل لدى المرء مكتبة، فيها أنواع الكتب التي اطلع عليها وهمَّش فيها وعلَّق عليها، وتصير جزءاً من حياته، وذاكرة حية في مسيرته، منذ شبابه وأول طلبه العلم، ثم مرحلة البحث والتحري، ثم المزيد من العلم، والتخصص .. ثم الركون إلى العزلة للبحث والتأليف، أو القراءة والمطالعة، مع صديق العمر .. الكتاب.
وحالات الناس ليست كلها مثل بعض، فمنهم من يكون شديد التعلق بالكتاب، حتى إنه لا يفارقه في حلِّه وترحاله، ولا يضعه من يده إلا عندما يأكل أو يصلي أو يعمل، ويصبح أنيسه الذي لا يفارقه، ولا يحبُّ أن يصرفه عنه صارف، وتعلقه به يعني الاستغناء عن الأصدقاء، والتنقل بين رفوف المكتبة بدل التنقل بين الأهل والأحباب.
ويرى في الكتاب كلَّ شيء في الحياة، فهو متعته الحقيقية، وبستانه الذي يقطف منه الثمار، ووسيلة مواصلاته التي تأخذه إلى أنواع المعارف والشعوب والبلدان، بحنان وعشق ولهفة، ويحافظ عليه، وينمي مكتبته، ويجلِّد النفيس منها، الغالية على قلبه، ولا يحب مغادرتها.