من أجمل ما يتفق للمرء أن يجمع إلى علمه أدبًا، وهو بذلك يفيد غيره، وربما أجيالًا من بعده، فيكتب في تخصصه بأسلوب مشوق يجذب إليه فئات من المجتمع لا تعرفه، ويبقى الكثير مما كتبه مرجعًا في وقته. وإذا جمع إلى فنه فنونًا أخرى صار موسوعيًا وعلامة، ويسميه أسلافنا (مفّنًا) ، من أمثال السيوطي والسخاوي، ومن أمثال الإمام الطبري، الذي أبدع في التفسير فكان مرجعًا لجميع المفسرين، وكتابه"تاريخ الأمم والملوك"مرجع أوَّلي في التاريخ، وفي الحديث كتابه"تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار"له مكانته بين كتب الحديث الشريف. وأمثالهم كثيرون في تاريخنا الإسلامي والحمد لله، ولكن أخبارهم لم تجمع في كتاب.
وممن لا يؤبه به ممن جمع بين علوم عدة نادرة هو من يعرف بـ (ناظر الجيش) محب الدين محمد بن يوسف، المتوفى سنة 778 هـ، الذي انطلق من حلب وسكن مصر، ليرتقي في مناصب جيشها إلى أعلى الرتب فيه. وكان ذا مروءة، وساعد طلبة العلم خاصة. وهو إلى جانب تخصصه العسكري كان لغويًا ونحويًا متمكنًا، شرح التسهيل في النحو لابن مالك ولكنه له يتمه، كما شرح التلخيص في المعاني والبيان، ويعني (تلخيص المفتاح) المتن المشهور في البلاغة للسكاكي، وتلخيصه للقزويني. ولا غرو في ذلك إذا عرفت أنه من تلاميذ أبي حيان النحوي الأندلسي.
ومن كتبه المهمة تاريخيًا وأدبيًا كتابه"تثقيف التعريف بالمصطلح الشريف"، الذي جمعه لولده (أحمد) ليكون على اطلاع وخبرة من أمره، حيث اعتلى مناصب حكومية هو الآخر. يقول في مقدمته بعد حمد الله تعالى والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم:
"هذه ورقات وضعتها لولدي أحمد كاتب الدرج الشريف بالأبواب الشريفة، أنشأه الله تعالى نشأة صالحة ووفَّقه وهداه لما يحبه من الأقوال والأفعال ويرضاه، تشتمل على المكاتبات الصادرة عن المواقف الشريفة السلطانية، خلّد الله تعالى ملك مالكها (؟) ، إلى الخلفاء وولاة عهودهم، وملوك الإسلام والكفر، وغيرهم من العظماء والأكابر من الحكام بجميع الأقطار، من سائر الطوائف وجميع النواب والولاة والعربان والتركمان والأكراد، بالممالك الإسلامية المحروسة، وعلى نسخ المطلقات والملطفات والبطائق وأوراق الطريق، ونسخ الأيمان والأمانات والهدن، ورسم ما يكتب في العهود"