الإكثار من التصنيف
محمد خير رمضان يوسف
شجع علماءُ الإسلامِ على التأليف بقصد نشر العلم والدين الحق، ومن باب الأجر الكبير عليه، فإنه ينتج منه وقف الكتب مثلاً، ويكون ذلك من الصدقة الجارية. وكان الإمام ابن الجوزي يفضل التأليف على المحاضرات ومجالس الوعظ، ويقول إنه بذلك يخاطب أقواماً وأجيالاً لم يولدوا بعد، كما حثَّ على كثرة التأليف في الإسلام أحد الأئمة الأعلام من باب إصابة الحق ونشره. ولمّا عوتب أحدهم على كثرة الكلام، قال لهم: أتسمعون حقاً أم باطلاً، قالوا: بل حقاً. قال: فإن الإكثار من الصواب خير، أو كما قال. والتأليف مثله.
وتاريخنا الإسلامي مليء بأعلام المصنفين، وقد تجاوزت مؤلفات بعضهم الخمسين والمئة والمئتين والألف، وأخبارهم في هذا تبعث على الفخر، كما تثير في النفس الاستفهام والتعجب، والسؤال عن سرِّ هذه الكثرة من المؤلفات؟
1.لنقل أولاً إن التأليف موهبة من الله تعالى، فلا يقدر كلُّ أحد أن يؤلف، وكثير من الناس لا تتجاوز مؤلفاتهم عدَّ الأصابع، وهؤلاء ربما ألفوا لمناسبة، أو للحصول على شهادة، أو لترقية، أو أنهم في موقع يطلب منهم أن يكتبوا في الموضوع، رأياً، أو تقريراً، أو تصويباً، وما إلى ذلك، وهناك أعلام كبار لم يؤلفوا كتباً، أو أنهم تركوا رسائل صغيرة، ويقول بعضهم عن سبب ذلك إن المؤلفات كثيرة، فلا حاجة لأن يؤلف، أو أنهم متفرِّغون لتربية الرجال وليس للتصنيف، وما إلى ذلك. والحقُّ أنهم لم يؤتَوا موهبة الكتابة، ولو أوتوها لما قدروا على الابتعاد عنها، فإن صاحب الموهبة يبرز موهبته بأي شكل كان.
2.الصبر أدب مهم في العلم، وخاصة في التأليف، فإن هناك مسائل عويصة تُبحث، وتحتاج إلى تثبت وإحاطة بجوانب الموضوع، وهذا يحتاج إلى جهد ومثابرة ومتابعة، وإلى شهور أو سنوات. وإذا تحولت المهمة إلى موضوع جديد لم يُبحث من قبل، أو إلى موسوعة، أو جمع شتات علوم، فإنها قد تتطلب رحلة