والمحاسبي رحمه الله قدَّم الفكرة الإسلامية بتحوير الخبر في مواعظه وحِكَمه، ولم يقدِّمها مثلما نقل الإمام أحمد وابن أبي الدنيا والزهري، من إيراد الأثر فقط وعدم التعليق عليه. وقبلهم الإمام الحسن البصري، الذي جمع بينهما فأحسن وأثَّر أبلغ الأثر.
فكلا الأسلوبين واردان، ولكلٍّ محبوه وناصروه، فبعض الناس يحبُّ قراءة الخبر كما هو بدون تحوير وتفلسف، وكثير من علماء النفس يحبذون هذا، ويرون أنه أجدى وأنفع للنفس، يعني أن يترك المجال لنفس كلِّ قارئ ليفلسف الخبر ويحوِّره من جانبه وبمكوناته الثقافية والفطرية، بينما لو وجد من يفعل له ذلك لشكَّ أو تلكأ، أو (انزعج) ، لأنه لم يُعطَ فرصة التفكير بالخبر، وكأن الكاتب لا يثق بالقارئ، فيعطيه الخبر مبطنًا بفكرته وفلسفته.
ونفسيات أخرى تحبُّ الجدل والتفلسف والكلام وتتفاعل معه، وكأنها جانب فيه، ولا تقتصر على أسلوب الخبر المباشر، بل قد تراه قديماً غير مناسب للعصر، والحقُّ أن لكلٍّ طالبه كما قلت، وحتى يومنا هذا. فلا يتعصبنَّ صاحبُ مذهبٍ لمذهب، وليقدِّر نفوسَ الآخرين وإقبالهم وإعراضهم، فإن هذا يحبُّ تقديم الخبر صافياً نقياً كما هو، وآخر يحبه"إبداعياً"فيه بدع من الكلام. والهدف كما قلنا هو إيصال الفكرة، وتحقيق التوعية.
ولا يُقال أيهما أفضل، فإن هذا يُقرَأ وذاك .. والمهمُّ المضمون. وما يوصَف اليوم بالإبداع مرحلة زمانية، وسيأتي وقت تقدَّم فيه الثقافة بمسمّى أو بمصطلح آخر، مثله مثل الشعر الحرّ والعامودي ... ويبقى المضمون هو المهم .. في كلِّ زمان.