كفة ويوضع في الكفة الأخرى كل ما عداه ومن ثم كان هذا الإنذار أهول ما يواجهه المؤمن وهو يتلقاه من الله". وقال الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا من يريد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم" (المائدة) . ففي هذه الآية توعد الله المؤمنين إن هم تخلفوا عن إقامة الجهاد ومفاصلة اليهود والنصارى وتركوا اتباع هديه، توعدهم بالاستبدال وذلك هو الخسران المبين، وتوعدهم بأن يستخلف عبادًا من غيرهم خيرًا منهم، لهم صفات من أجلها حب الله لهم وحبهم لله تبارك وتعالى، وما أجلها من صفات وما أرفعها من مكانة ومنزلة، فمن ذا الذي لا يرجو حب ربه له وحبه لربه مولاه وخالقه. ثم ذكر تبارك وتعالى باقي صفات خلفائه في أرضه، فذكر ذلتهم على المؤمنين، وعزتهم على الكافرين، وقيامهم بأمره وجهادهم لأعدائه ومراغمتهم لهم، وهم في قيامهم بأمر ربهم لا يخشون أحدًا من العالمين ولا يخافون في الله لومة لائم ولو غضب أهل الأرض قاطبة، فهم وإن كانوا قلة فهم بربهم كثرة، وإن كانوا ضعفاء فبالله أقوياء، وإن كانوا أذله فبالله أعزة. ومن الآية الكريمة يتضح فضل تلك الثلة التي اصطفاها الله لنفسه، واستخدمها لرفع رايته، فلما عَلِمَ منهم الصدق وفقهم وسددهم وهداهم، قال الإمام سيد قطب رحمه الله تعالى:"إن اختيار الله للعصبة المؤمنة لتكون أداة القدر الإلهي في إقرار دين الله في الأرض وتمكين سلطانه في حياة البشر وتحكيم منهجه في أوضاعهم وأنظمتهم وتنفيذ شريعته في أقضيتهم وأحوالهم وتحقيق الصلاح والخير والطهارة والنماء في الأرض بذلك المنهج وبهذه الشريعة إن هذا الاختيار للنهوض بهذا الأمر هو مجرد فضل الله ومنته فمن شاء أن يرفض هذا الفضل وأن يحرم نفسه هذه المنة فهو وذاك والله غنى عنه وعن العالمين والله يختار من عباده من يعلم أنه أهل لذلك الفضل العظيم". وقال الله تعالى:"لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا" (النساء) ، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: قال تعالى"وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا"أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات في غرف الجنان العاليات ومغفرة الذنوب والزلات وأحوال الرحمة والبركات إحسانا منه وتكريما ولهذا قال"دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا"قد ثبت في الصحيحين'"