وتارات بين مصادر الشريعة التي مشكاتها واحدة، لم تكن ثمة قطيعة ولن تكون أبدا بين المخلصين من أهل العلم تجاه أهل الجهاد، ذلك أنها شريعة ربانية أصلها ثابت وفرعها في السماء. لم تكن هناك خلافات في أصول الشريعة وفروعها، ذلك أن كلا الفريقين متفق على الاصول والفروع، كذلك لم تكن هناك أزمات بين الفريقين في الفهم والتأصيل، فكلا الفريقين قد حباه الله تعالى علما وفقها. كانت حقيقة الخلاف هي خارجة عن إطار الشريعة، واتصلت بها من جهة المؤسسات الكهنوتية التي يمثلها أهل العلم والعلماء وهي الأنظمة العلمانية التي اتخذت من المؤسسات الكهنوتية مطية ذلولا لتحقيق مآربها، فرأت تلك المؤسسات أن الشريعة بالضرورة تدور مع الأنظمة حيث دارت وأن الهالات السلطانية أخذت صفتها من الشريعة الربانية، وذلك لمّا التصقت الأنظمة العلمانية بمظاهر الشريعة وقامت بوضع يدها عليها، وتوجيه سياستها الشرعية وفق الأهواء والمطامع بعيدا عن مناهج الشريعة التي عطّلتها تلك الأنظمة وقامت بتعيين أدوات لها وموظفين أسبغت عليهم هالات وألقاب دينية مما جعلهم يحفظون الود لأنظمتهم. كانت حقيقة الخلاف بين المجاهدين وتلك المؤسسات؛ أن الإسلام فرض على أتباعه أن يدوروا مع القرآن حيث دار وبين أن السلطان والقرآن سيفترقان، فطلب من المسلمين أن لا يفارقوا الكتاب، بينما المؤسسات الكهنوتية خالفت السنن وصادمت الشرائع، فأرادت أن يكون للسلطان السنة الغالبة على الشريعة، وأن الشريعة بالطبع متوافقة مع خيارات الأنظمة. كانت حقيقة الخلاف أن الشريعة ضاعت بين ثنايا الهالات والفخامات والألقاب سواء سلطانية أو من مشايخهم فقد ذابت المناهج لأجل مصالح السلاطين وكانت المناهج بالضرورة تُجيّر لخدمة السلاطين وتصغر الكبائر العظيمة والدواهي الطوام وفق أفكار وعقائد الإرجاء والتي تذم تأصيلا وتتبع تأويلا وعملا وسلوكا. ذلك أن الدواهي الطوام جعلت قضايا زئبقية و"حرباوية متلونة"ليس لأحد صياغته أو المس بها سوى مشايخ من طراز رفيع، فكانت الشريعة رهينة الأهواء والسياسات والمصالح. لقد قامت المؤسسات الكهنوتية بمواطئة ومداهنة ومصانعة السلاطين بالسنتهم والفرار إليهم بقلوبهم وأجسادهم، يقدمون لهم أقصى ما يملكون من طاقة، فقاموا بتأصيل شريعة ودينا على تلك الأصول التي زعموها؛ فكانت هذه حقيقة الخلاف بين أهل الجهاد وأهل العلم الكهنوتيين الذين جعلهم الحكام العلمانيون البسة لهم يلونون الشريعة ويصبغونها بالصبغة التي أرادوا باسم ولي الأمر .. بينما ولاة الأمر قد ساروا في ركاب الصليبيين فغدا ولي الأمر في حقيقة الأمر هم الصليبيون