الجهاد، أو أن يتعدى التدين نطاق الشعائر التعبدية، وتطارد السلطات بكل شراسة، أي مظاهر للتدين في النشاط الإجتماعى والمعاملات. ولكن أمريكا إستحسنت إستخدام الورقة الإسلامية في أفغانستان، لمواجهة تحرك سوفيتي شرس، بقواته البرية الضخمة على تخوم المصالح النفطية الأمريكية.
فضغطت أمريكا، ورضخت الأنظمة، لتحويل الشباب المسلم صوب أفغانستان، لجهاد الشيوعية هناك. ورأت الأنظمة أن ذلك يوفر لها تنفيسًا لابد منه، ليقظة إسلامية، كادت أن تخرج عن سيطرة الأوعية المحددة لها سواء كانت أوعية حكومية أو شعبية.
كان النظام المصرى في الصدارة أيضًا، فالأوضاع الإجتماعية في مصر هى أفدح مما كانت عليه في عام 48 م، وزاد عليها عاملان غاية الخطورة: الأول كان إتفاق السلام الذى عقده أنور السادات مع إسرائيل، متحديًا إسلام شعبه ووطنيته، والعامل الثانى كان نجاح الثورة الشعبية الإسلامية في إيران التى كانت إجتماعيًا وسياسيًا، ونفسيًا قريبة جدًا من المناخ المصرى. وشكلت الثورة الإيرانية أيضًا تحديًا كبيرًا للنظام السعودى الذى كان الركيزة الثانية للسياسة الأمريكية في الخليج، كما تأثر المناخ الإسلامى العام بتلك الثورة.
مرة أخرى يعطى النظام المصرى الضوء الأخضر للإخوان المسلمين، للإنطلاق خارجيًا في عمل جهادى، ولكنه خارج المنطقة العربية لأول مرة، بشرط أن يظل
نشاطه محصورًا للعمل الدعائى والإنسانى، بعيدًا عن ميادين القتال، التى يدفع إليها فقط بالشباب غير المنظم، الذين تولت السعودية، أمنيًا، الإشراف على حركتهم بشكل غير مباشر تمويلا وتنظيمًا، بل وحددت قيادات تسيطر على نشاطاتهم، داخل وخارج الجبهات.
فى هذه المرة أيضَا كان النظام المصرى هو السباق في الإعلان المدوى عن مشاركته في الحرب الأفغانية، وأعلن عن أسلحة قيمتها خمسة ملايين دولار، أرسلها إلى المجاهدين الأفغان.
-2 حرب فلسطين 48 م.
لا تذكر حرب فلسطين إلا وذكرت معها قضية الأسلحة الفاسدة، وهى الأسلحة، التى أرسلها ملك مصر إلى قواته في فلسطين بعد أن إشتراها رجال بطانته من بقايا أسلحة الجيش الإيطالى المهزوم، والتى تلفت في الحرب العالمية الثانية. لقد حقق الملك وأعوانه أرباحًا طائلة، من تلك الصفقة، التى حصدت أرواح جنود وضباط الجيش المصرى في فلسطين. فكانت ضمن عوامل إنقلاب الجيش على الملك عام 1952 م.
إستدرجت بريطانيا الجيش المصرى إلى حرب فلسطين، وذلك بإغرائه بفتح مخازنها في قناة السويس، لتموينه بالعتاد. وعندما تعمق الجيش المصرى في صحراء النقب، وإشتدت المعارك بينه وبين اليهود، أغلقت بريطانيا مخازنها، وإفتقد الجيش المصرى الذخائر الضرورية، فتعرضت قواته للحصار في عدة مواضع. وبذلك أجبر على قبول الهدنة، التى كانت حتمًا في مصلحة اليهود،