ثالثًا: لم يحرز الإسلام الحكومى وشقيقة الحداثى نصرًا يذكر على الإسلام الموروث لأن عوام المسلمين وإن غابت عنهم الأعماق الفقهية لمعضلة الأصنام، إلا أنهم أصطفوا تلقائيًا خلف موقف طالبان والإمارة ورموز الإسلام الموروث، كراهية منهم لأمريكا والغرب، وغربان الثقافة الناعقين بتجاويف الكلام.
ولا يعود الفضل في ذلك إلي قدرة التيار الإسلامى التقليدى على شرح وجهات نظره فهو مازال أعجز من أن يصل إلى عقول العوام بطريقة مناسبة.
فهو لا يكاد يخرج من بين صفحات الكتب القديمة والأسماء الغريبة، حتى يكون
الحديث قد فقد سياقه وإنصرف المستمعون إلى شئ أسهل في التناول والفهم.
تحطيم أصنام) باميان (كان أمنية لدى حركة طالبان عبروا عنها سرُا في جلساتهم
حتى قبل الإستيلاء على كابول وكانت ضمن أمانى إسلامية أخرى مثل تحويل اللغة
العربية إلى لغة رسمية في أفغانستان.
أما الأهداف الأكبر فكانت تعلن دومًا بالصوت الأعلى، وأهمها إقامة الشريعة وتحويل البلاد إلى إمارة إسلامية حقيقية من حق كل مسلم العيش فيها بحرية وأمان.
وقد حققوا الكثير من شعارهم الأخير، لم يكن أحد من المسلمين في حاجة إلى جواز سفر لدخول أفغانستان أو الخروج منها، أو حمل هوية للتجول فيها ..
وأضر ذلك بالعرب تحديدًا الذين تعودوا على القمع والقبضية البوليسية الغليظة،
فحولوا الحرية إلى فوضى .. وأصبحت إسلامية الدولة لا تعنى سوى ممارسة
الفوضى والتعالى على أى قوانين، ووصمها بالطاغوتية.
وإحترام أهل البلاد لهم قابلوه بالتعالى عليهم .. ولا يتكلم العامى منهم مع العالم الأفغانى إلا لتلقينة دروس العقيدة الصحيحة، وإنتقاد كل شئ وإسداء المئات من النصائح المجانية المليئة بجهل الموضوع محل النصيحة ..
الملا محمد عمر لم يحيد عن المبادئ التى وضعها لحكمة منذ جلسته الأول مع
وفود العلماء ورؤساء القبائل الذين توافدوا لبيعته (بالإمارة) وكان ذلك قبل فتح كابول أو حتى جلال آباد.
قال لهم وقتها ما معناه .. )) إذا بايعتمونى فسوف أحكم بشريعة الإسلام .. ولن أستطيع ذلك بمفردى .. فلا بد أن تساعدونى جميعًا على أن أطبق أحكام الشرع على نفسى وعليكم .. فإن قبلتم ذلك قبلت منكم بيعتكم .. وكل ما أملكة هو ذلك الرداء القديم (الباتو) ، الذى دخلت به إلى مقر الإمارة .. فإذا لم تقبلوا شرطى هذا فسأحمل ردائى القديم على كتفى وأعود من حيث أتيت، إلى مسجدى ومدرستى. ((
ولا أشك أنه في حديثه هذا كانت ترتسم في مخيلته صورة السلطان محمود الغزنوى الذى حكم في القرن العاشر الهجرى دولة قوية مركزها أفغانستان.
وهو النموذج المكتمل للحاكم الأفغانى المسلم كما يتخيله علماء الأفغان وعوامهم. فليس غريبًا أن يكون الغزنوى هو المثل الأعلى للملا عمر.
وأهم أعمال السلطان الغزنوى التى يتذكرها له الأفغان هى: حمايته للمسلمين في الهند من بطش الهندوس ثم تحطيمه لأهم أصنام الهندوس رغم كميات الذهب الكبيرة التى عرضوها عليه كى يعفوا عن أصنامهم.
تلك الأعمال هى نفس ما قام به الملا عمر آخر حاكم مسلم حقيقى لأفغانستان مع