تنسى الشعوب أحيانا بديهات لا تحتاج الى تفهيم .. من قبيل كون أى جماعة سياسية أودينية أو أى قيادة من هذا النوع إذا تم إقتلاعها من ترتبها وفقدت وسائل التأثير على الناس في موطنها الأصلى فإن تلك القيادات والجماعات تصبح هامشية وتنحدر قيمتها إلى ما يقرب من الصفر.
ولكن أمريكا نجحت في أقناع العالم وحتى المسلمين أنفسهم- بأن عرب أفغانستان يمثلون تجمعًا فاعلا وخطيرًا، وكذلك قياداتهم هناك.
وذلك غير صحيح بالمرة، وإن كان ذلك التجمع فريدًا ونادرًا في عالم اليوم. ويحمل عددًا من السجايا الإخلاقية الرفعية مثل روح التضحية والبطولة المتجذرة فيه .. وقوة الحماس للدين.
ولكن هذا كله لا يعنى ما ترمى إليه أمريكا من خطورة الفعل والقدرة على التغيير. فلم يكن ذلك ممكنًا لذلك الوسط لأسباب عديدة منها أسباب ذاتية وأخرى خارجية.
فمن الأسباب الذاتية:
غياب العلماء الصادقين مع ضعف البنيان الفقهى وتخلفه عن مواجهة الواقع الخارجى المعقد. ثم صدام ذلك البنيان مع الموروث الفقهى التاريخى للشعوب العربية والاسلامية .. وإعتماد الحركة الجهادية على فقه العصر المملوكى، الذى كان مستهجنًا وضعيفًا حتى في عصرة، لمواجهة عصر مخالف تمامًا .. وفى بيئة مناهضة تاريخيًا لذلك الفقه. كانت تلك سقطة أساسية أدت إلى الوفاة المبكرة للحركة الجهادية الحديثة .. وإلى عزلتها وشططها وتخبطها .. الخ.
فالهزيمة بدأت فقهية .. وذلك طبيعى لحركة إسلامية، يعتبر الفقه هو أداتها لتطبيق
الدين على الواقع، فقوة وحيوية التحرك الدينى تنبع من سلامة وقوة مصادره الفقهية.
وإذا عجزت العقلية الدينية عن فهم ومعالجة الواقع، والإجتهاد فقهيًا لمواجهة إحتياجاته، فإنها مهزومة لا محالة، ولن تستطيع السير طوي ً لا .. وهذا ما حدث لمجاهدينا رغم شجاعتهم، وقدرتهم على شن العمليات الإستشهادية الصاعقة.
من الأسباب الخارجية:
** حالة العنفوان والقوة الهادرة للمعسكر الأمريكي (اليهودى) وممارسته حربًا
صليبية شاملة ومتواصلة لدفع الإسلام إلى الخلف على مستويات الحكم والشعائر
والمفاهيم .. ناهيك عن فكرة الجهاد نفسها وليس ممارستها فقط.
هذا إضافة حال الأمة التى تشهد تحللا في تماسكها. وفوضى في المفاهيم الإسلامية، وإنعدام المرجعية الدينية، وسقوط المقدسات في أيدى اليهود، بشكل مباشر أو عبر أنظمة محلية .. ثم إنصراف الأمة عن الجهاد، وترك تلك المهمة الحيوية المقدسة في أيدى قلة مخلصة قليلة العلم و الكفاءة أو الخبرة .. كثيرة الغرور والتهور، فصار الجهاد في الأمة، وقفًا على قله، متخصصة معزولة تفتقر إلى مهارة المتخصصين، وإنصرفت أهم عقول الأمة وعناصرها المقتدرة عن