لمجيئه شخصيًا وتقديم الطلب في صورة رجاء وقد كان قادرًا على فرضه إداريًا. وبدون أن يغادر مقرة في الإمارة.
بهدؤ بدأ بن لادن في سرد تفاصيل دعوته وشرعيتها شارحًا أدلته في أنها من
"الجهاد المتعين"التى لا يملك الإمام حق إيقافه، وأنه (بن لادن) لن يوقف جهاده في هذا السبيل مهما كلفه الأمر، وطلب بأن تعرض هذه الخصومة بينه وبين أمير
المؤمنين، حول هذا الموضوع، أمام لجنه قضائية من العلماء لتحكم فيه .. ثم ترقرقت عيناه بالدموع وتحشرج صوته وهو يقول: إذا كان قد صعب عليكم حمايتنا على أرضكم، فإننا نترك لديكم النساء والأطفال ونخرج نحن للجهاد من مكان آخر.
كانت الجملة الأخيرة لطمة ثانية وقاسية في وجه الملا لأنها إتهام صريح له ولمن
معه بالجبن والنكوص عن الجهاد.
إنصرف الملا عمر ومن معه عائدين إلى المدينة وقد أصيبت العلاقة بين الطرفين
بشرخ لم تشف منه أبدًا. وسادت القطيعة التامة بينهما أشهرًا طويلة، ولم تهدأ خلالها الوساطات الخيرة في ترميم بعض الخيوط المقطوعة .. حتى نجحوا في إصلاح شئ منها .. وظل الجزء الأكبر من العلاقة والود القديم والثقة مهدمًا مثل أطلال قرية أفغانية دمرتها الطائرات.
لم تلبث أن دوت الإنفجارات في نيروبى ودار السلام لتعلن بداية الحرب الساخنة
بين (بن لادن) والولايات المتحدة الأمريكية. كان بن لادن قد مهد جيدًا الأرضية
الإعلامية لتلك الحرب ورسم حدودها بدقة بأنه"شخصيًا"يحارب الولايات المتحدة ونظامها الدولى. ووضع بيديه المسلمين والعالم أمام شاشات التلفزيون يترقبون أحداث ذلك المسلسل المدهش الذى طال إنتظاره. وطال بث الدعايات المثيرة حول أحداثه المتوقعة.
سياسيًا .. لم يكن من حاجة لإعداد شئ طالما هو شخصيًا جاهز. لذا لم يبالى بإضعاف علاقته مع حركة طالبان، وتوجبه كل الإهانات والتحقير للملا عمر، الذى وقف مدافعًا عنه متحملا كافة المخاطر في سبيل ذلك، حتى فقد كل شئ في نهاية المطاف.
كما لم يبذل الجهد اللازم لتوحيد أو تنظيم العرب الأفغان، جماعاتهم وأفرادهم
المستقلين، لتكوين كتله عربية متجانسة، أن لم تكن موحدة، حتى تتحمل المطارق
القادمة سريعًا فوق الرؤوس خاصة رؤوس العرب.
بسرعة إصطفت مواقف العرب إزاء ما حدث في أفريقيا بين دفتى التطرف .. ما بين موافق جملة وتفصيلا على ما حدث وما بين معترض كليًا على المعركة من أصلها.
وبشكل عام كانت عمليات أفريقيا ثم ردود الفعل الأمريكية عليها في صالح بن لادن وتنظيم القاعدة. سواء بين العرب خارج وداخل أفغانستان، أو بين الأفغان أنفسهم. بل أن ردود فعل العملية داخل حركة طالبان كانت إيجابية بشكل عام ولكن موقفهم لم يتغير جذريًا.