كانت فرصة تاريخية يدرك بن لادن أهميتها، ووضع في ذهنه فورًا المدى الذى يريد أن يدفع إليه الأمور حتى يخدم مخططه من خلال تلك الحاجة المفاجئة إلى خدماته.
لقد تصور أن"الإمارة"من الآن فصاعدًا لن تجرؤ على الحجر على تصرفاته- كما أن إنطلاقته العظمى في أفغانستان، ستكون من .. جبل السراج.
ولكن التطورات الميدانية تمت على غير ما كان يتوقع بن لادن. كان يتصور أن يقود هو فتحًا عربيًا لقرية جبل السراج. والذى حدث ميدانيًا هو إنهيار شبه تام لقوات طالبان وتقدم كاسح لقوات مسعود صوب كابول .. وقتل عدد من جماعة بن لادن الذين شاركوا في القتال، وأسر وفقد عدد آخر. وعندما أصبح جيش مسعود قاب قوسين أو أدنى من العاصمة كان الذى صدهم عنها، أو كان السبب الرئيسى في صدهم عنها، شابًا صعيديًا كان مارًا من هناك بفعل الصدفة المتلبسة بالشهامة [1]
وهو واحد من"العائدين إلى أفغانستان"من الجماعة الإسلامية المصرية، وعددهم وقتها قد يصل إلى خمسة أفراد على أحسن تقدير.
فى الأزمة الحالية لم يكن قد طرأ تغير يذكر في تعداد العرب مع بن لادن.
لكن موسم الصيف حمل معه أعدادًا قليلة من"السياح الجهاديين"من اليمن والسعودية، الذين إجتذبهم إلى أفغانستان التصريحات المدوية لابن لادن والأضواء المبهره التى سلطها عليه الإعلام الدولى. كما عاد إلى أفغانستان مرة أخرى أعدادًا من تنظيمات جهادية عدة تحت وطأة المطاردات الدولية. أما المجموعات الباكستانية فقد كانوا عدة آلاف في أفغانستان إنضم منهم عدة عشرات إلى بن لادن في مشروعة بالجبهة شمال كابول، ولم يكن لهذا التعاون مردودًا عمليًا يذكر لأسباب إدارية ولوجستية .. وحتى نفسية!.
فى ظهر اليوم التالى لإستلام الإستنفار كانت مجموعة من كوادر القاعدة برئاسة أبو حفص المصرى وزير دفاع التنظيم- قد وصلوا إلى كابول لدراسة الموقف، وتقدير ما يمكنهم عمله، كان ضمن الوفد عدد من راقبوا عن قرب مجريات الحرب السابقة على أعتاب كابول ضد دوستم والقوات المتحالفة معه في ديسمبر الماضى.
وقد شاهد هؤلاء قبلا العمل الفنى المنظم الذى قاده حقانى ودحر به الحملة المعادية وغنم جميع معداتها، وبخسائر قليله بشريًا وإستهلاك محدود في الذخائر .. كان أداء إحترافيًا من الطراز الأول.
وكان سهلا على هؤلاء المراقبين العرب معرفه الفروقات بين الحملتين، وأن يضعوا أصابعهم بسرعة ودقه على مواضع الخلل وأن يتنبأوا خلال ساعات من تجوالهم في المواقع العسكرية أن الوضع على شفا كارثة، ودقوا أجراس الإنذار في كل مكان .. ثم حدد وفد القاعدة دورًا لقدراته المحدودة، وحاول الدفع في طريق الإصلاح وتدارك الكارثة قبل وقوعها.
وصل من جلال آباد إلى كابول آلاف الرجال، وبصحبتهم كل المعدات الثقيلة التى
(1) لا شك أن إسم همام الصعيدي سيظل محفورًا في الذاكرة العسكرية لمدينة كابول