وبسرعة تكدست المدينة بآلاف من الشباب المسلحين، الذين أسكرتهم نشوة النصر السهل الذى ليس له دلاله سوى أن الحرب كلها على وشك أن تنتهى وتتوحد البلاد، وتحكم الشريعة، ويعم السلام، وسريعًا ما تلتئم الجراح وتتحقق الأحلام المستحيلة.
كان تجمع قوات طالبان في مزار شريف (كرنفاليا) . وكانت المناسبة وظروفها تشجع على ذلك. ناهيك عن الطبيعه غير العسكرية لشباب القبائل الذين لم يتلقوا أى تدريب مسبق وأكثرهم بالكاد يستطيع إستخدام بندقية بشكل مناسب. هل كانت مؤامرة رتبها عبد الملك منذ البداية؟ أم أنه خلاف طرأ بينه وبين قيادات طالبان الذين وصلوا إلى مزار شريف؟
يصعب الجزم بشئ من ذلك ولكن المؤكد هو أن (طالبان) تعرضوا لمجزرة بشعة،
وبكل ما تحمله الكلمة من معنى .. لقد إنطبقت عليهم سيول النيران من كل جانب وفى كل مكان وحوصروا في مجموعات صغيرة أو كبيرة بلا أمل في نجاة .. والذى إستسلم منهم قتل في الحال والذى قاوم .. قتل أيضًا عندما نفذت ذخائره أو أقعدته وتم التمثيل بالجثث وتعذيب الجرحى قبل قتلهم، وسبحت المدينة في بحر من الجراح دماء عشرة آلاف قتيل، أو أكثر قلي ً لا .. كان ذلك الأسلوب- إستئصال الخصم- جديدًا في القتال الداخلى بين الأفغان. فالإحتفاظ بالأسرى ثم إستبدالهم في وقت لاحق هو الأسلوب المتبع.
وكان الإستنتاج المنطقى هو: أن هناك قوة غير أفغانية، أى (خارجية) ، تدفع الموقف بين العرقيات والمذاهب إلى نقطة اللاعودة .. حتى يبقى شلال الدم متدفقا وإلى أن تتحقق غايات لاتخدم بحال مصالح الفرقاء المتصارعين في الداخل.
كانت الجثث الممزقة بالآلاف هى الحقيقه الثانية والوحيدة، أما من فعل ماذا؟
فالإشاعات المغرضة تتولى الإجابة، إذا غاب الشهود الموثوقون، إلا إذا نطق القتلى ..
أما القتله فلن يعترف أحدهم بجرمه إلا إذا أمن القصاص، وهو أمر غير ممكن فى
وشائعات العدوان على أعراض النساء، طعنت المهزومون في قلوبهم وآلمتهم أكثر مما آلمهم منظر أشلاء أبنائهم المتناثرة في طرقات مزار شريف، والمكدسه في الميادين بكل التحقير والإهانة.
وتكتموا قدر الإمكان على الفضيحة، ولكن تداولوها سرًا بعيدًا عن أعين الغرباء .. وتواعدوا على الثأر السريع، وبأشد البطش .. وتم لهم ذلك بعد عام تقريبًا في نفس المدينة التى إكتست مرة أخرى بالدماء والأشلاء .. ثم وضعت كميات هائلة من اللحم البشرى في شاحنات وقذفت في نهر جيجون .. ليشهد التاريخ بسالة الإنتقام بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد!!.
فى الإنتقام المعاكس في صيف 1998 لم تكن النساء من ضحاياه، ولكن"الأعراف الدبلوماسية"والسجايا المقدسة لدى الأفغان في حسن الضيافة، كانت الضحية.
فعندما إقتحم"المنقمون"مبنى القنصلية الإيرانية في المدينة قتلوا بعد فترة إنتظار
قصيرة أحد عشر دبلوماسيًا.