فـ"مَنْ"هنا استفهامٌ في موضع رفع، إذا رُفع"المنون"، وأُلْغي الفعل الذي هو"رأيت". فإن أعملتَ الفعل، نصبتَ"المنون"، وكانت"مَنْ"في موضع نصب بـ"خلدن". وهي مبنية لتضمنها همزة الاستفهام، وذلك أنك إذا قلت:"من هذا؟"فكأنك قلت:"أزيدٌ هذا أعمرٌو هذا؟"والأسماء لا تُحصَى كثرةَ، فأتوا باسم يتضمن جميع ذلك، وهو"مَنْ"، فاستُغني به عن تَعْداد الأسماء كلها على ما تقدّم في"ما".
الموضع الثالث:
أن تقع للمُجازاة وتختصّ أيضًا بذواتِ من يعقل، وهي مبنيّة أيضًا لتضمنها حرفَ الجزاء، وهو"إنْ"، وذلك نحو قولك:"من يأتِني آتهِ"، و"من يُكْرِمْني أشْكُرْه"، كأنك قلت: إن يكرمني زيد أو عمرو ونحوهما ممّن يعقل أشكره. قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [1] .
الرابع: أن تكون نكرة موصوفة، نحو قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [2] في أحد الوجهَيْن، أي: كلُّ شيء عليها هَالِك إلَّا وَجْهَه. ومثله قول الشاعر [من السريع] :
504 -يا رُب مَن يُبْغِضُ أَذْوادَنَا ... رُحْنَ على بَغْضائه واغتَدَيْنْ
(1) الطلاق: 3.
(2) الرحمن: 26.
504 -التخريج: البيت لعمرو بن قميئة في ديوانه ص 196؛ والأزهية ص 101؛ ولعمرو بن لأي بن موألة في معجم الشعراء ص 314؛ وبلا نسبة في المقتضب 1/ 41؛ والحيوان 3/ 306.
اللغة: الأذواد: جمع ذَودٍ، وهو القطيع من الإبل بين الثلاثة جمال والثلاثين.
المعنى: إننا أعزاء لا يستطيع أحدٌ صد إبلنا عن المرعى، فإبلُنا على بغض الناس لها تروح إلى مراعيها وتعود غير آبهةٍ بأحد.
الإعراب:"يا": حرف تنبيه فقط، ويمكن أن يكون حرف نداء، والمنادى محذوف، والتقدير: يا قومُ رب مَنْ ..."رب": حرف جر شبيه بالزائد."مَنْ": اسم مبني على السكون مجرور على اللفظ بـ"رب"مرفوع على المحل على أنه مبتدأ،"يبغض": فعل مضارع مرفوع بالضمة، وفاعله مستتر جوازًا تقديره (هو) ."أذوادَنا": مفعول به منصوب بالفتحة، و"نا": مضاف إليه محله الجر."رُحن": فعل ماضٍ مبني على السكون، والنون: فاعل حله الرفع."على بغضائه": جار ومجرور متعلقان بـ"رُحن"، والهاء: مضاف إليه محله الجر."واغتدين": الواو: حرف عطف،"اغتدينَ": مثل"رحن"ولكن نون"اغتدين"سكنت للضرورة.
جملة"يا قوم": ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة"من يبغض أذوادنا رُحن على بغضائه": صفة لـ"من"محلها الرفع على المحل. وجملة"رحن": خبر المبتدأ (من) محله الرفع. وجملة"اغتدين": معطوفة على جملة"رُحنَ".
والشاهد فيه: دخول"رب"على"مَن"وهذا دليل تنكير"من"لأن"ربَّ"لا تدخل إلا على النكرة، لذا فالجملة بعد (من) صفة لها كما لاحظنا.