فهذا مَثَلٌ، يقال لمن يزعم زَعَماتٍ، ويصحّ غيرُها، فلمّا صحّ خِلافُ قوله قيل:"هذا ولا زعماتِك"أي: هذا هو الحقُّ، ولا أتوهّمُ زعماتِك، أي: ما زعمتَه. والزعْمُ قولٌ عن اعتقاد، ولا يجوز ظهورُ هذا العامل الذي هو"أتوهّم"وشِبْهُه، لأنّه جرى مَثَلًا، والأمثالُ لا تُغيَّر، وظهورُ عامله ضربٌ من التغيير.
وقالوا:"كِلَيْهما وتَمْرًا"، ويُروى: كلاهما وتمرًا، وكثُر ذلك في كلامهم حتى جرى مَثَلًا، وأصله أنّ إنسانَا خُيّر بين شيئَيْن، فطَلَبَهما المخيَّرُ جميعًا وزيادةً عليهما. فمَن نصب فبإضمارِ فعل، كأنّه قال:"أعطني كليهما وتمرًا"ومَن رفع كليهما فبالابتداء، والخبرُ محذوف كأنّه قال:"كلاهما لي ثابتٌ وزِدْني تمرًا"والنصبُ أكثر.
وقالوا في مَثَل:"كل شيء ولا شَتِيمَةَ حُرّ"، ويُروى بنصبهما جميعًا، وبرفعِ الأول ونصب الثاني. فَمن نصبهما فبإضمارِ فعلَيْن، كأنّه قال:"إِيتِ كلَّ شيء، ولا ترتكِبْ شتيمة حرّ". ومَن رفع الأولَ فبالابتداء، كأنّه قال:"كلُّ شيء أَمَمٌ، ولا تَشْتِمَنْ حُرًّا"، أي: كلُّ شيء محتَملٌ، ولا تشتمن حرًّا، ومثلُه"كلَّ شيء ولا هذا"، أي: إِيتِ كلَّ شيء ولا هذا. ولم تظهر الأفعالُ في هذه الأشياء كلها لأنّها أمثال.
قال صاحب الكتاب:"ومنه قولهم انته أمرًا قاصدًا لأنه لما قال انته علم أنه محمول على أمر يخالف المنهي عنه قال الله تعالى: {انتهوا خيرًا لكم} [1] . ويقولون حسبك خيرًا لك، و"وراءك أوسع لك" [2] , ومنه"من أنت زيدًا"؟ أي: تذكر زيدًا, أو ذاكرًا زيدًا"؟
قال الشارح: أمّا قولهم:"انتهِ أمرًا قاصدًا"، فإنّ"أمرًا"منصوبٌ بفعل مضمر تقديرُه: انته، وائْتِ أمرًا قاصدًا. فلمّا قال:"انته"، عُلم أنّه محمولٌ على أمر يخالف المنهي عنه, لأن النهْي عن الشيء أمرٌ بضِدّه، إلّا أنّه ها هنا يجوز لك إظهارُ الفعل العامل، لأنّه لم يكثُر استعمالُه كثرةَ الأول.
= أتوهّم، وهو مضاف، والهاء: ضمير متصل مبني في محلّ جرّ مضاف إليه."لعتبة": جار ومجرور متعلّقان بحال محذوفة من"خَطا"."خطَّا": مفعول مطلق منصوب بالفتحة."لم": حرف جزم ونفي وقلب."تطبّق": فعل مضارع مجزوم بالسكون."مفاصلُه": فاعل"تطبق"مرفوع بالضمّة، وهو مضاف، والهاء: ضمير متصل مبني في محل جرّ مضاف إليه.
وجملة"خطّ": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة"ولا زعماته": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة"لم تطبق": في محلّ نصب صفة لـ"خَطّا".
والشاهد فيه قوله:"ولا زعماته"حيث نصب"زعماته"بفعل محذوف، ولا يجوز إظهاره.
(1) النساء:171.
(2) ورد هذا المثل في الفاخر ص 301؛ ومجمع الأمثال 2/ 370.