على تقديرِ: يا ليت لنا أيّامَ الصبا رواجعا، فيكون"أيام الصِّبا"اسمَ"لَيْتَ"والخبرُ الجارُّ والمجرورُ المقدَّرُ، و"رواجعا"حالٌ، وتنوينُه ضرورةً. وقيل: تقديرُه: أقبلتْ رواجعا، فيكون"أقبلت"الخبرَ، و"رواجعا"أيضًا حالٌ. وكان بعضُهم ينصب الاسمَ والخبرَ بعد"لَيْتَ"تشبيهًا لها بـ"ودِدْتُ"و"تَمَنَّيْتُ", لأنّها في معناهما، وهي لغةُ بني تَمِيم. يقولون:"ليت زيدًا قائمًا"كما يقولون:"ظننتُ زيدًا قائمًا". وعليه الكوفيون. والأوّلُ أقْيسُ، وعليه الاعتمادُ، وهو رأيُ البصريين.
فأمّا ما حُكي عن عمر بن عبد العزيز، فالخبرُ محذوفٌ، أي: فإنّ ذاك مصدَّقٌ، ولعل مطلوبَك حاصلٌ، فإنّما ساغ حذفُ الخبر ههنا، وإن لم يكن ظرفًا لدليلِ الحال عليه كما يُحْذَف خبرُ المبتدأ عند الدلالة عليه، نحوَ قولك:"مَن القائمُ؟"فيقال:"زيدٌ"، أي: زيدٌ القائمُ، والجيّدُ أن يقدر المحذوفُ ظرفًا، نحوَ:"إنّ لك ذاك"أي: حَق القَرابة، و"لعلّ لك ذاك"، فالمعنى واحدٌ إلَّا أنه من جهةِ اللفظ جارٍ على منهاجِ القياس.
وقوله:"متّ عليه بقرابة"المَتُّ: المَدُّ، والمراد تَدلَّى إليه بقَرابةٍ، والمَواتُّ الوَسائلُ.
قال: وقَدُ التُزم حذفُه في قولهم:"لَيْتَ شِعْرِي". يجوز في"قَدُِ"الكسرُ والضمُّ. فالكسرُ أجْودُ لأنه الأصلُ في التقاء الساكنَيْن، والضمُ للإتباع لثِقَلٍ الخُروج مِن كسر إلى ضمّ من نحوِ: {وَعَذَابٍ ارْكُضْ} [1] ، {وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا} [2] ، والمراد: قد التُزم حذفُ الخبر، وذلك أن"شِعْرِي"مصدرُ"شَعَرْتُ أشْعُرُ شِعْرًا وشِعْرَة"إذا فطن وعلِم، ولذلك سُمّي الشاعر شاعرًا, لأنه فطن لِما خَفِيَ على غيره، وهو مضافٌ إلى الفاعل. فقولُك:"ليت شعري"بمعنَى: ليت عِلْمي. والمعنى لَيْتَنِي أشْعُرُ. فَـ"أَشْعُرُ"هو الخبرُ، وناب"شعري"الذي هو المصدر عن"أَشْعُرُ". ونابت الياءُ في"شعري"عن اسم"لَيتَ"الذي في قولك:"لَيتَنِي".
و"أشْعُرُ"من الأفعال المتعدّية، وقد يُعلَّق عن العمل، فيقال:"ليت شعري أزيدٌ قام أم عمرٌو"ومعنَى التعليق إبطالُ عَمَله في اللفظ وإعمالُه في الموضع، فيكون موضعُ الاستفهام وما بعده نصبًا بالمصدر، فهو داخلٌ في صلته. وقيل: الخبرُ محذوفٌ، وقد ناب معمولُ المصدر عن الخبر، فلم يُظْهِروا خبرَ"ليت"ههنا لسَدّ معمولِ المصدر مَسَدّه, وصار ذلك كقولهم:"لولا زيد لأكرمتُك"في حذفِ الخبر لسَدّ جوابِ"لولا"مسدّه. وقالوا:"ليت شعري زيدٌ عندك أم عند عمرو". رفعوا"زيدًا"، ولم يُعْمِلوا فيه ألمصدَر لأنّه داخلٌ في الاستفهام، وقيل: إنّ الجملة بعد"شعري"في موضع الخبر. والأوّلُ أقْيسُ لعدمِ العائد من الجملة، فاعرفه.
(1) ص: 41 - 42.
(2) الحجر: 45 - 46.