بإدخال النون وتخليصِه للاستقبال، إذ لو قلت:"إنَّ زيدًا لَيقومُ"، جاز أن يكون للحال والاستقبال بمنزلةِ ما لا لامَ فيه. فإذا قلت:"إنّ زيدًا لَيقومنّ"، كان هذا جوابَ قسم، والمرادُ: الاستقبال لا غير. وذهب أبو عليّ إلى أنّ النون هنا غيرُ لازمة، وحكاه عن سيبويه، قال: ولَحاقُها أكثرُ. والسيرافيّ وجماعةٌ من النحويين يرون أنّ لحاق النون يقع لازمًا للفصل الذي ذكرناه، وهو الظاهر من كلام سيبويه [1] ، ودْلك قوله: إِنّ اللام إنّما لزمت اليمينَ كما لزمت النون اللامَ، وهذا نصٌّ منه.
ومن ذلك فعل الأمر والنهي والاستفهام، تقول في الأمر:"اضربَنَّ زيدًا"، وفي النهي:"لا تضربَنَّ زيدًا". قال الله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} [2] وقال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [3] . وتقول في الاستفهام:"هل تضربنّ جعفرًا؟"قال الشاعر [من الطويل] :
وإيّاك والمَيْتاتِ لا تَقرَبَنَّها ... ولا تَعْبُدِ الشيْطانَ واللهَ فاعْبُدا [4]
فقال:"لا تقربنّها"بالنون الشديدة في النهي، وقال:"والله فاعبدا"، فأتى بالنون الخفيفة مع الأمر، ثمَّ وقف فأبدل منها الألفَ. وتقول في الاستفهام:"هل تقولَنَّ ذلك؟"قال الأعشى [من المتقارب] :
1204 - وهل يَمنَعَنِّي ارتِيَادُ البلادِ ... مِن حَذَرِ الموتِ أنّ يَأتِيَن
والأصل دخولها على الأمر والنهي للتوكيد. والاستفهامُ مضارعٌ للأمر؛ لأنّه واجبٌ، وفيه معنى الطلب. فإذا قلت:"هل تفعلنَّ كذا؟"فإنّك تستدعي منه تعريفَك كما يستدعي الآمِرُ الفعلَ. وكان يونس [5] يجيز دخولَ هذه النون في العَرْض، فيقول:"ألا"
(1) انظر الكتاب 3/ 109.
(2) الكهف: 23.
(3) يونس: 89.
(4) تقدم بالرقم 276.
1204 - التخريج: البيت للأعشى في ديوانه ص 65؛ والدرر 5/ 151؛ والمقاصد النحوية 4/ 324؛ والمحتسب 1/ 349؛ وبلا نسبة في همع الهوامع 2/ 78.
الإعراب:"وهلْ": الواو: بحسب ما قبلها،"هل": حرف استفهام."يمنعني": فعل مضارع مبني على الفتح، والنون: للتوكيد، والنون الثانية للوقاية. والياء: ضمير في محلّ نصب مفعول به."ارتياد": فاعل مرفوع، وهو مضاف."البلاد": مضاف إليه مجرور بالكسرة."من حذر": جار ومجرور متعلّقان بـ"ارتياد"."الموت": مضاف إليه مجرور."أن": حرف مصدري ناصب."يأتين": فعل مضارع منصوب. والنون: للوقاية، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره:"هو". والياء المحذوفة للتخفيف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والأصل:"يأتيني".
وجملة"هل يمنعني": بحسب ما قبلها. والمصدر المؤول من"أن"وما بعدها مفعول به ثانٍ للفعل (يمنع) . وجملة"يأتي": صلة الموصول الحرفى لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله:"هل يمنعنّي"حيث أكّد الفعْل المضارع بنون التوكيد لوقوعه بعد استفهام.
(5) الكتاب 3/ 514.