ومعناها كلُّها التحضيضُ والحَثُّ. وإذا وَلِيَهنّ المستقبلُ كنّ تحضيضًا، وإذا وليهنّ الماضي، كن لَوْما وتوبيخًا فيما تَرَكَه المخاطبُ، أو يُقدَّر فيه التركُ، نحوَ قول القائل:"أكرمتُ زيدًا"، فتقول:"هَلاَّ خالدًا"، كأنّك تصرِفه إلى إكرامِ خالد، وتحثّه عليه، أو تلومه على تركِ إكرامه. وحيث حصل فيها معنى التحضيض -وهو الحثّ على إيجاد الفعل وطلبُه- جرت مجرى حروف الشرط في اقتضائها الأفعالَ، فلا يقع بعدها مبتدأٌ، ولا غيرُه من الأسماء. ولذلك قال:"لا تدخل إلَّا على فعل ماض أو مستقبل".
فأمّا قوله تعالى: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [1] ، فقد وليه الماضي، إلَّا أنّ الماضي هنا في تأويل المستقبل، كما يكون بعد حرف الشرط كذلك, لأنه في معناه، والتقديرُ: إن أخرْتَني أصَّدَّقْ، ولذلك جَزَمَ"وَأكُنْ"بالعطف على موضعِ"فأصَّدَّقَ".
قوله: {لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ} [2] ، فشاهدٌ على إيلائه الفعلَ المستقبلَ، والمراد: إيتنا بها.
وقوله: {فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا} [3] وليه الجملةُ الشرطيةُ، وهي في معنى الفعل إذ كانت مختصّة بالأفعال، ولا يقع بعدها الاسمُ، فإن وقع بعدها اسمٌ، كان في نيّة التأخير، نحوَ قولك:"هلاّ زيدًا ضربتَ"، والمراد: هلا ضربت زيدًا، وعلى تقديرِ فعل محذوف، نحوَ قولك لفاعلٍ الإكرام:"هلّا زيدًا"، أي: هلّا أكرمتَ زيدًا.
ولذلك قال: إذا وقع بعدها اسم مرفوع أو منصوب كان بإضمارِ رافعٍ أو ناصبٍ، أي: من الأفعال.
قال سيبويه [4] : تقول:"لولا خيرًا من ذلك"، و"هلاّ خيرًا من ذلك"والمراد: هلا تفعل خيرًا من ذلك. ولو رفعه على تقديرِ:"هلا كان منك خيرٌ من ذلك"لجاز. ومنه البيت الذي أنشده [من الطويل] :
تعدّون عقر النيب ... إلخ
البيت لجرير، وقيل: للأشْهَب بن رُمَيلَةَ، والشاهد فيه أنّه أضمر فعلًا نَصَبَ"الكمى المقنعا". ومعناه أن هؤلاء بني ضَوْطَرَى، والضوطرى: الضَّخْمُ الذي لا غَناءَ عنده، يمشون بالإطعام والضيافةِ، ويجعلون الكرمَ أكبرَ مَجْدهُم. فقال: تعدّون عقر النِّيب، وهو: جمعُ نابٍ، وهي: المُسِنّة من الإبل ونحوِها للأضْياف، أكبرَ مجدكم يا بني ضوطرى لولا الكميَّ اَلمقنعَ، والكَمِىُّ: الشجاع المتكمّى في سِلاحه، أي: المستتر. والمقنَّع: الذي عليه البَيضَةُ. كأنّه ينسبهم إلى الفَشَل، وعدم الشجاعة.
(1) المنافقون: 10.
(2) الحجر:7.
(3) الواقعة: 86 - 87.
(4) الكتاب 1/ 268.