فهرس الكتاب

الصفحة 2031 من 2502

ومعناها كلُّها التحضيضُ والحَثُّ. وإذا وَلِيَهنّ المستقبلُ كنّ تحضيضًا، وإذا وليهنّ الماضي، كن لَوْما وتوبيخًا فيما تَرَكَه المخاطبُ، أو يُقدَّر فيه التركُ، نحوَ قول القائل:"أكرمتُ زيدًا"، فتقول:"هَلاَّ خالدًا"، كأنّك تصرِفه إلى إكرامِ خالد، وتحثّه عليه، أو تلومه على تركِ إكرامه. وحيث حصل فيها معنى التحضيض -وهو الحثّ على إيجاد الفعل وطلبُه- جرت مجرى حروف الشرط في اقتضائها الأفعالَ، فلا يقع بعدها مبتدأٌ، ولا غيرُه من الأسماء. ولذلك قال:"لا تدخل إلَّا على فعل ماض أو مستقبل".

فأمّا قوله تعالى: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [1] ، فقد وليه الماضي، إلَّا أنّ الماضي هنا في تأويل المستقبل، كما يكون بعد حرف الشرط كذلك, لأنه في معناه، والتقديرُ: إن أخرْتَني أصَّدَّقْ، ولذلك جَزَمَ"وَأكُنْ"بالعطف على موضعِ"فأصَّدَّقَ".

قوله: {لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ} [2] ، فشاهدٌ على إيلائه الفعلَ المستقبلَ، والمراد: إيتنا بها.

وقوله: {فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا} [3] وليه الجملةُ الشرطيةُ، وهي في معنى الفعل إذ كانت مختصّة بالأفعال، ولا يقع بعدها الاسمُ، فإن وقع بعدها اسمٌ، كان في نيّة التأخير، نحوَ قولك:"هلاّ زيدًا ضربتَ"، والمراد: هلا ضربت زيدًا، وعلى تقديرِ فعل محذوف، نحوَ قولك لفاعلٍ الإكرام:"هلّا زيدًا"، أي: هلّا أكرمتَ زيدًا.

ولذلك قال: إذا وقع بعدها اسم مرفوع أو منصوب كان بإضمارِ رافعٍ أو ناصبٍ، أي: من الأفعال.

قال سيبويه [4] : تقول:"لولا خيرًا من ذلك"، و"هلاّ خيرًا من ذلك"والمراد: هلا تفعل خيرًا من ذلك. ولو رفعه على تقديرِ:"هلا كان منك خيرٌ من ذلك"لجاز. ومنه البيت الذي أنشده [من الطويل] :

تعدّون عقر النيب ... إلخ

البيت لجرير، وقيل: للأشْهَب بن رُمَيلَةَ، والشاهد فيه أنّه أضمر فعلًا نَصَبَ"الكمى المقنعا". ومعناه أن هؤلاء بني ضَوْطَرَى، والضوطرى: الضَّخْمُ الذي لا غَناءَ عنده، يمشون بالإطعام والضيافةِ، ويجعلون الكرمَ أكبرَ مَجْدهُم. فقال: تعدّون عقر النِّيب، وهو: جمعُ نابٍ، وهي: المُسِنّة من الإبل ونحوِها للأضْياف، أكبرَ مجدكم يا بني ضوطرى لولا الكميَّ اَلمقنعَ، والكَمِىُّ: الشجاع المتكمّى في سِلاحه، أي: المستتر. والمقنَّع: الذي عليه البَيضَةُ. كأنّه ينسبهم إلى الفَشَل، وعدم الشجاعة.

(1) المنافقون: 10.

(2) الحجر:7.

(3) الواقعة: 86 - 87.

(4) الكتاب 1/ 268.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت