فـ"إنَّما"هنا لا تكون إلَّا المكسورة، لأنها في موضع المفعول الثاني، لـ"أرَى"، وهو فتح،"إنَّما"ها هنا، لم يستقم، لِما ذكرناه. وأمّا قوله تعالى في قراءةِ: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ} [1] ، بفتحِ"أنَّمَا"، فضعيفةٌ ممتنعةٌ على قياس مذهب سيبويه، وقد أجازها الأخفش على البدل على حدّ قوله [من الطويل] :
فما كان قَيْسٌ هُلْكُه هُلْكَ واحدٍ [2]
فأمّا"إنَّما"المكسورة فتقديرها تقديرُ الجمل كما كانت"إنَّ"كذلك، و"ما"، كافّةٌ لها عن العمل، ويقع بعدها الجملة من المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل. وهي مكفوفةُ العمل على ما ذكرنا، ومعناها التقليل، فإذا قلت:"إنّما زيدٌ بَزّازٌ"؟ فأنت تُقلل أمره، وذلك أنك تسلبه ما يُدّعى عليه غيرَ البَزّ، ولذلك قال سيبويه [3] في"إنَّما سرتُ حتى أدخلها": أنك تُقلِّل. وذلك أنّ"إنَّما"زادت"إنَّ"تأكيدًا على تأكيدها، فصار فيها معنى الحَصر، وهو إثبات الحكم للشيء المذكور دون غيره، فإنّ معنى"إنَّما اللهُ إلهٌ واحدٌ"، أي: ما الله إلَّا إله واحد، نحو:"لا إله إلا الله"، وكذلك {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ} [4] ، أي: ما أنت إلَّا منذرٌ، ومن ها هنا قال أبو عليّ في قوله [من الطويل] :
إنما يُدافِع عن أحسابهم أنا أو مِثْلِي [5]
= فجعل ذلك عامًّا في كل من يؤاخيه مبالغةً في الوصف، وهو يصف حاله بهذا الكلام ولا يعبِّر به عن جحده لنعم الله عليه.
الإعراب:"أرانى": فعل مضارع مرفوع بالضمّة المقدرة على الألف، والياء: مفعول به أول محله النصب، والفاعل مستتر وجوبًا تقديره: أنا."ولا": الواو: حرف اعتراض،"لا": نافية للجنس."كفران": اسم"لا"مبني على الفتح."لله": جار ومجرور متعلقان بخبر"لا"على تقدير مضاف محذوف. أي: لا كُفران لنعم الله، أو الجار والمجرور متعلّقان بالمصدر (كُفران) لأنه بمعنى الجحود. أما خبر"لا"فمحذوف تقديره: كائن أو موجود، ويجوز خلافًا للبصريين بناء اسم"لا"أعمل فيما بعده، أم لم يعمل."إنّما":"إنَّ": مكفوف، و"ما": كاف."أُواخي": فعل مضارع مرفوع بالضمّة المقدرّة على الياء للثقل، وفاعله مستتر وجوبًا تقديره: أنا."من الإخوان": جار ومجرور متعلّقان بحال من"كلَّ"."كلَّ": مفعول به."بخيل": مضاف إليه.
وجملة"أراني": ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة"لا كُفران لله": اعتراضية لا محل لها من الإعراب، اعترضت بين المفعول الأول لـ"أوى"وبين مفعوله الثاني، وهو جملة"أواخي". فمحلُّها النصب.
والشاهد فيه: كسر همزة"إنَّ"في"إنَّما"لوقوع ما بعدها جملة نائبة عن المفعول الثاني لـ"أرى".
(1) آل عمران: 178. وهذه القراءة هي القراءة المثبتة في النصّ المصحفيّ. وقرأ يحيى بن وثاب:"إنما". انظر: البحر المحيط 3/ 123؛ وتفسير القرطبي 4/ 228؛ ومعجم القراءات القرآنية 2/ 87.
(2) تقدم بالرقم 425.
(3) في الكتاب 3/ 22:"وتقول:"إنما سرت حتى أدخلَها"إذا كنت محتقرًا لسيرك الذي أدى إلى الدخول".
(4) الرعد: 7.
(5) تقدم بالرقم 317.