فهرس الكتاب

الصفحة 1828 من 2502

تعالي: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [1] ، أي: بعضَها، ومنه: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} [2] . قال أبو العبّاس المبرّد: وليس هو كما قال سيبويه عندي، لأن قوله:"أخذت من ماله"إِنَّما جعل ماله ابتداءَ غايةِ ما أخذ، فدلّ على التبعيض من حيث صار ما بقي انتهاءً له، والأصلُ واحد.

وكونها لتجيين الجنس، كقولك:"ثوبٌ من صُوفٍ"، و"خاتمٌ من حديدٍ". وربما أوهم هذا الضربُ التبعيضَ، ولهذا قلنا: إِنّ مَرْجِعَها إلى شيء واحد. ومنه قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [3] . وذلك أنّ سائر الأرجاس يجب أن تُجتنب، وبين المقصودَ بالاجتناب من أيّ الأرجاس، واعتبارُه أن يكون صفة لِما قبله، وأن يقع موقعَه"الَّذِي"، ألا ترى أن معناه: فاجتنبوا الرجسَ الذي هو وثنٌ. وقد حمل بعضُهم الآية على القلب، أي: الأوثان من الرجس. وفيه تعسّفٌ من جهة اللفظ، والمعنى واحدٌ. وقد قيل في قول سيبويه:"هذا باب عِلْمِ ما الكَلِمُ من العَرَبيّة" [4] أنّه من هذا الباب؛ لأن الكلم قد تكون عربية، وغير عربية، فبَئنَ جنسَ الكلم بأنّها عربيّةٌ.

وتكون"مِنْ"زائدة، كقوله [من البسيط] :

وما بالرَّبْع مِن أحدِ [5]

وإنما تزاد في النفي مُخلَّصة للجنس، مؤكّدةً معنى العموم، وقد اشترط سيبويه [6] لزيادتها ثلاثةَ شرائط:

أحدها: أن تكون مع النكرة.

والثاني: أن تكون عامّة.

والثالث: أن تكون في غير الموجَب، وذلك نحوُ:"ما جاءني من أحدٍ". ألا ترى أنه لا فرق بين قولك:"ما جاءني من أحد"، وبين قولك:"ما جاءني أحدٌ"؛ لأن"أحدًا"يكون للعموم. فأمّا قولك:"ما جاءني من رجل"، فقال الأكثر: لا تكون زائدة على حد زيادتها مع"أحد"؛ لأنها قد أفادت استغراق الجنس، إذ قد يُقال:"ما جاءني رجل"، ويُراد به نفيُ رجل واحد من هذا النوع، وإذا قال:"من رجل"استغرق الجميعَ. وعندي يجوز أن يُقال:"ما جاءني من رجل"، على زيادةِ"مِنْ"، كما يكون كذلك في"ما جاءني من أحد". وذلك أنّه كما يجوز أن يُقال:"ما جاءني رجلٌ"، ويُراد به نفيُ واحد من النوع، كذلك يجوز أن يُقال:"ما جاءني رجلٌ"، ويُراد به نفي الجنس، كما تنفيه

(1) التوبة: 103.

(2) الأنعام: 141.

(3) الحج: 30.

(4) الكتاب 1/ 121؛ وهذا الباب هو أوّل أبواب الكتاب.

(5) تقدم بالرقم 301.

(6) انظر الكتاب 4/ 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت