فهرس الكتاب

الصفحة 1727 من 2502

قال الشارح: أمّا ما في أوّله منها حرفُ نفي، نحوُ:"ما زال"، و"ما بَرِحَ"، و"ما انفكُّ"، و"ما فَتِىءَ"، فهي أيضًا كأخواتها تدخل على المبتدا والخبر، فترفع المبتدأ، وتنصب الخبرَ، كما أنّ"كانَ"كذلك، فيقال:"ما زال زيدٌ يفعل". قال الله تعالى: {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ} [1] . وكذلك أخواتها. ومعناها على الإيجاب، وإن كان في أوّلها حرفُ النفي. وذلك أن هذه الأفعال معناها النفي، فـ"زال"، و"برح"، و"انفكّ"، و"فتىء"كلُها معناها خلاف الثبات. ألا ترى أن معنَى"زال":"برح"؟ فإذا دخل حرفُ النفي، نُفي البَراح، فعاد إلى الثبات وخلافِ الزَّوال. فإذا قلت:"ما زال زيدٌ قائمًا"، فهو كلامٌ معناه الإثبات، أي: هو قائمٌ، وقيامُه استمرّ فيما مضى من الزمان، فهو كلامٌ معناه الإثبات، ولهذا المعني لم تدخل إلّا على الخبر، فلا يجوز:"لم يزل زيد إلّا قائمًا"، كما لم يجز:"ثبت زيدٌ إلّا قائمًا"؛ لأنّ معنَى"ما زال": ثبت. فأما قول ذي الرُّمّة [من الطويل] :

حَراجِيجُ مَا تَنْفَكُّ إلا مُناخةً ... على الخَسْفِ أو نَرْمِي بها بَلَدًا قَفرَا

فإن الأصمعي والجَرْمي قالا: أخطأ ذو الرُّمّة، ووجهُ تَخطِئته أن يكون"مناخة"الخبر، وتكون"إلّا"داخلةً عليه، وذلك خطأٌ على ما تقدّم. قال المازنيّ:"إلّا"فيه زائدة، والمراد: ما تنفكّ مناخة. وقيل: الخبر:"عَلَى الخسف"، و"مناخةً"حالٌ. والمراد: ما تنفكّ على الخسف إلّا مناخةً، فما تكون"إلّا"قد دخلت على الخبر. وقيل:

= اللغة: حراجيج: جمع حرجوج، وهي الناقة السمينة الطويلة. مناخة: باركة على الأرض. الخسف: الجوع. القفر: الخالي.

المعنى: هذه النوق السِّمان إمّا باركة على الجوع، وإمّا مجتازة بلادًا خالية من أثر الحياة، يعني أنها لا تخلو من أحد هذين الأمرين.

الإعراب:"حراجيج": خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي، مرفوع بالضمة."ما تنفك":"ما": نافية، و"تنفك": فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي، يعود على"حراجيج"."إلا": حرف زائد لا يدلّ على معنى."مناخة": خبر"ما تنفك"منصوب بالفتحة."على الخسف": جارّ ومجرور متعلّقان بـ"مناخة"."أو": حرف عطف."نرمي": فعل مضارع منصوب بـ"أن"المضمرة بعد"أو"، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: نحن. والمصدر المؤول من"أن"المضمرة وما بعدها معطوف على مصدر منتزع من الكلام السابق، والتقدير: بقاؤها على الخسف أو رمينا بها ..."بها": جارّ ومجرور متعلّقان بـ"نرمي"."بلدًا": مفعول به منصوب بالفتحة."قفرًا": صفة منصوبة بالفتحة.

وجملة"هي حراجيج": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة"ما تنفك": في محلّ رفع صفة لـ"حراجيج".

والشاهد فيه قوله:"ما تنفكّ إلا مناخة"حيث دخلت"إلا"على خبر"ما تنفك"وهذا غير جائز. وفي تخريج الشاهد آراء عدة أورد بعضها الرضي في شرح الكافية، بالإضافة إلى الرأي الذي جعلناها فيه زائدة.

(1) غافر: 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت