قالوا:"كَيْ"هنا بمعنى"كيف"استفهام. وقال قومٌ: أراد:"كيف"، وإنما حذف الفاء تخفيفًا، كما قالوا:"سَو أفعلْ"، والمرادُ: سَوْفَ.
ولا يُجازَى بـ"كيف"كما جُوزي بـ"أَيْنَ"لضُعْفها ونَقْصها عن تصرُفِ أخواتها بكونها اسمًا , ولا يُخبَر عنها، فلا يقال:"كيف في الدار؟"، كما يقال:"من في الدار؟"، و"ما عندك؟"على الابتداء والخبر. ولا يعود إليها ضمير، فلا يقال:"كيف ضربتَه؟"، والهاء تعود إلى"كيف". ولا يكون جوابُها إلَّا نكرة، وجوابُ أخواتها يكون معرفة ونكرة، فإذا قلت:"كيف زيدٌ"، فيقال:"صالح"، أو"سقيم"، ولا يقال:"الصالحُ". فلما نقص تصرُّفُه عن تصرُّفِ أخواته، ولم تكن ثم ضرورة تدعو إلى المجازاة به, لأنّه يقوم مقامَه:"على أي حال تكن أكُنْ".
وأما"أنى"، فظرفُ مكان يُستفهم بها كـ"أَيْنَ"، قال الله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَذَا} [1] ، أي: من أيْنَ لك هذا؟ ويجازون بها. يقولون:"انى تقم أقم". قال لبيد [من الطويل] :
فأصبَحْتَ أنى تَأْتِها تَشْتَجِر بها ... كِلَا مَرْكَبَيْها تَحْتَ رِجْلَيْكَ شاجرُ [2]
وقال بعضهم: إِنّها تؤدي معنى"كيْفَ"، نحو قوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [3] ، أي: كيف شئتم. والمجازاةُ بها دليلٌ على استعمالها استعمالَ"أَيْنَ". وهي مبنية لتضمُنها همزة الاستفهام، وسكن آخِرُها على قياس البناء، فأما قول الكُمَيْت [من المنسرح] :
أَنى ومِن أَيْنَ آبَكَ الطرَبُ ... من حيثُ لا صَبوَةٌ ولا رِيَبُ [4]
الشاهد فيه استعمالُ"أَنى"بمعنى"كيف". ألا ترى أنه لا يحسن أن تكون بمعنى"أَيْنَ"؛ لأن بعدها"من أَيْنَ"، فتكون تكرارًا. ويجوز أن تكون بمعنى"من أين"، وكُررت على سبيل التوكيد، وحسُن التكرارُ لاختلاف اللفظَيْن، فاعرفه.
= اللغة: البعران: جمع بعير. شردت: تاهت، والمراد به الإبل.
المعنى: يستغرب ألا يعرف هذان الراعيان أثرًا لبعرانهما الضالة.
الإعراب:"أو راعيان": أو: حرف عطف،"راعيان": معطوف على مرفوع مجهول المحل الإعرابي، لأن البيت الشاهد يروى في كتب اللغة والنحو وحيدًا."لبعران": جار ومجرور متعلقان باسم الفاعل"راع"."لنا": جار ومجرور متعلقان بصفة من"بعران"."شردت": فعل ماض مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر تقديره: هي، والتاء: للتأنيث."كي": اسم استفهام مبني على الفتح المقدر على الفاء المحذوفة ضرورة. والأصل: كيف، وهو في محل نصب حال من فاعل"يحسان"."لا": نافية."يحِسانِ": فعل مضارع مرفوع بالنون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين: فاعل."من بعراننا": جار ومجرور متعلقان بحال من"أثرًا"والأصل أن يتعلقا بصفته، ولكن لمّا تقدَمَتْ شبه الجملة على النكرة تَعَلقت بحال منها."أثرًا": مفعول به للفعل"يحسان".
والشاهد فيه أن"كي"فيه بمعنى"كيف"، وأن فاءه حذفت لضرورة الشعر.
(1) آل عمران: 37.
(2) تقدم بالرقم 651.
(3) البقرة: 223.
(4) تقدم بالرقم 650.