سبيلِ الاستغراق، تقول:"ما رأيته قَط"، و"لا أَفْعَلُه عَوْضَ"ولا يُستعملان إلَّا في موضع النفي. قال [من الطويل] :
649 -رَضِيعَي لِبان ثَدْيَ أُم تَقاسَمَا ... بأَسْحَمَ داج عَوْضَ لا نَتَفَرقُ
وقد حُكي"قُط"بضم القاف، و"قَطُ"خفيفةَ الطاء، و"عَوْضُ"مضمومة.
قال الشارح: اعلم أنّ قَط بمنى الزمان الماضي، يقال:"ما فعلتُه قَط"، ولا يقال:"لا أفعلُه قطّ". وهي مبنية على الضم؛ لأنها ظرفٌ. وأصلُ الظروف أن تكون مضافة، فلما قُطعت عن الإضافة، بُنيت على الضم كـ"قَبْلُ"و"بَعْدُ". قال الكسائي: كان"قَطُط"على زنةِ"فَعُل"كـ"عَضُد"، فلما سكن الحرفُ الأول للادّغام، حُرك الآخر بحركته. والذي أراه أنه"فَعْل"كـ"قَبْل"و"بَعْد"؛ لأنّ الحركة زيادة، ولا يُحكَم بها إلَّا بدليل، ولأن أكثرَ ظروف الزمان كذلك، نحو:"يَوْم"، و"شَهْر"، و"دَهْر". ومنهم منٍ يقول:"قُط"، بضم القاف والطاء، يُتْبع الضم الضم، مثلَ"مُدُّ"و"شُدُّ"، ومنهم من يُخفف، فيحذف إحدى الطاءين تخفيفًا، ويُبقِي الحركةَ بحالها دلالة وتنبيها على أصلها، كما قالوا:"رُبَ"حين خففوها، أبقوا الفتحةَ دلالة على المحذوف. ومنهم
649 -التخريج: البيت للأعشى في ديوانه ص 275؛ وأدب الكاتب ص 407؛ وإصلاح المنطق ص 297؛ والأغاني 9/ 111؛ وجمهرة اللغة ص 905؛ وخزانة الأدب 7/ 138، 140، 143، 144؛ والخصائص 1/ 265؛ والدرر 3/ 133؛ وشرح شواهد المغني 1/ 303؛ والصاحبي في فقه اللغة ص 156؛ ولسان العرب 7/ 192 (عوض) ، 12/ 282 (سحم) ، 13/ 375 (لبن) ؛ ومغني اللبيب 1/ 150؛ وبلا نسبة في الاشتقاق ص 240؛ وهمع الهوامع 1/ 213.
اللغة: اللبان: اللبن. الأسحم: الأسود، ويقال هو الدم، أو الليل، أو الثدي. عوض: اسم من أسماء الدّهر.
المعنى: تعاهد أخوان رضعا لبن ثدي أمّ واحدة أن لا يتفرقا كل الدهر، وأقسما على ذلك بالدم أو بالليل، أو بحلمة الثدي الذي رضعا.
الإعراب:"رضيعي": صفة"مقرورين"في بيت سابق، مجرورة بالياء لأنها مثنى."لبان": مضاف إليه مجرور بالكسرة."ثدي": مفعول به منصوب على التشبيه بالمفعول به للصفة المشبهة"رضيع"وهو مضاف."أم": مضاف إليه مجرور بالكسرة."تقاسما": فعل ماض مبني على الفتح، والألف: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل."بأسحم": جار ومجرور بالفتحة لأنّه ممنوع من الصرف، متعلقان بـ"تقاسما"."داج": صفة مجرورة بالكسرة المقدّرة على الياء المحذوفة."عوض": ظرف لما يستقبل من الزمان في محل نصب مفعول فيه، متعلق بالفعل"نتفرق"."لا": نافية لا عمل لها."نتفرّق": فعل مضارع مرفوع بالضمّة، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: نحن.
وجملة"تقاسما": في محلّ جرّ صفة. وجملة"لا نتفرق": جواب قسم لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله:"عوضَ"حيث جاء ظرفًا للاستقبال، ولا يكون إلَّا منفيًّا.