وفي إضافة هذه الحدود إليه - سبحانه - إشعار بأن مخالفتها إنما هي مخالفة له - سبحانه - وأن هذه الحدود لا يتطرق إليها الريب لأنها صادرة من العليم الخبير الذي أحسن كل شيء خلقه.
والفاء في قوله: فَلا تَعْتَدُوها للتفريع أي: إذا كانت هذه الأحكام حدود الله فلا يصح لكم أن تتجاوزوها لأن تجاوزها يؤدى إلى سوء العقبى.
وعبر في قوله: فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ بفاء السببية وباسم الإشارة وبضمير الفصل وبالجملة الاسمية لتأكيد معنى السببية وللإشارة إلى أن الظلم شأن من شئونهم وصفة يتميزون بها عن غيرهم.
وقد جاء - سبحانه - بكل هذه المؤكدات في تلك الجملة الكريمة لكبح جماح غرور الإنسان، وتحذيره من الانقياد لهواه وأوهامه، فكثيرا ما يتوهم بعض الناس أن أحكام الله ليست ملائمة لمقتضى الزمان الذي يعيشون فيه، ويحاولون إخضاع شرع الله - تعالى -
لمصالحهم وشهواتهم، أو يتركون ما شرعه الله بتلك الحجة الواهية الساقطة. وأنت ترى هنا أن القرآن قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ... بينما قال هناك في ختام آية الصوم تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها .. وذلك لأن الكلام هنا في شأن الأسرة وما يسودها أحيانا من خلافات، واصطدامات، واضطرابات .. والخشية هنا إنما هي من تعدى هذه الحدود التي حدها الله في أي مرة من مرات هذا الخلاف .. فجاء التحذير من التعدي لا من المقاربة، بينما هناك كان الحديث عن محظورات مشتهاة مستلذة تريدها النفس لترضى شهوتي البطن والفرج، فجاء التحذير من مجرد الاقتراب من هذه الحدود التي حدها الله اتقاء لضعف الإرادة أمام جاذبيتها.
فسبحان من هذا كلامه وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.
ثم بين - سبحانه - أحكام الطلاق المكمل للثلاث، بعد بيانه لأحكام الطلاق الرجعى وأحكام الخلع فقال - تعالى -: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ.