والثاني: أن الملوك الذين من عادتهم الاحتجاب عن الخلق، إذا قربوا إنسانا لم يحتجبوا عنه، ويكون تركهم الاحتجاب آثر إلى ذلك الذي أكرم بالتقريب من سائر ما يكرمه به؛ فجائز أن يكون اللَّه تعالى يكرم أولياءه بالنظر إليه، ويتفضل عليهم لذلك.
وجائز أن يكون قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) منصرفا إلى انتظار الثواب؛ كما قاله بعض أهل التأويل، فتنتظر ما يأتيها من التحف والكرامات حتى وصفوا بنضارة الوجوه؛ فجائز أن يكون بعد تلك الكرامات كرامات وتحف أخر لم تأتهم بعد؛ ألا ترى إلى قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ(24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) والبسور من أدنى أحوال التغير، وغاية التغير أن تسود الوجوه وتكلح؛ فإذا لم يحل بهَؤُلَاءِ بعد غاية ما أوعدوا من العذاب، فجائز أن يكون الذين وعد لهم الكرامات لم ينتهوا بعدُ إلى أقصاها، ولم ينالوا بعد أرفعها؛ وإنما أكرموا ببعضها، وهم منتظرون لما يأتيهم من بعد.
وجائز أن يكون قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ، أي: نجعل نظرها فيما أكرمت إلى اللَّه تعالى، ولا ترى ذلك الفضل مستوجبا من جهتها كما قد يرى المرء في الشاهد بعض ما خول من المال بحيله وسعيه، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ، أن ليس كل الكرامات في نفسه خاصة وإلى ما ينتهي إليه نظره؛ بل يكون وراء ذلك كرامات أخر، فينصرف قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) إلى ذلك.
ويحتمل: أي: إلى أمر ربها ناظرة.
وإذا كان قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) محتملا أن يصرف إلى حقيقة النظر، ويصرف إلى الكرامات من الوجوه التي بيناها - لم يكن لأحد أن يجعل الأمر على الكرامات، فينفي عنه حقيقة الرؤية للأبد؛ لا بل ظاهره يُحِيلُ القول بالرؤية؛ فيدفع هذا التأويل بتلك الدلائل.