وَذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَبَلَ النَّفْسَ عَلَى حُبِّ الشَّهْوَةِ, وَجَعَلَهَا فِي حَبْسِ الْغَفْلَةِ, وَخَلَقَ لَهَا مِنْ رَائِقِ مَقْصُودِهَا مَا يَشْغَلُهَا وُجُودُهُ عَنْ وُجُودِهَا, فَهِيَ تَمِيلُ إِلَى مُشْتَهَاهَا وَإِنْ أَدَّى إِلَى الْمَهَالِكِ, لِمَا وُضِعَ فِي طَبْعِهَا مِنْ حُبِّ ذلك, وَتَنْهَمِكُ عَلَى تَحْصِيلِ غَرَضِهَا وَإِنْ أَعْقَبَهَا طُولُ مَرَضِهَا, فَيُنْسِيهَا عَاجِلُ مَا يُسِرُّ آجِلَ مَا يَضُرُّ.
فَلَمَّا وَضَعَهَا الْحَقُّ عَلَى هَذَا وَأَلَّفَهَا, خَاطَبَهَا بِمُخَالَفَةِ هَوَاهَا وَكَلَّفَهَا, وَبَيَّنَ لَهَا طَرِيقَ الْهُدَى وَعَرَّفَهَا, وَلَطَفَ بِهَا فِي أَحْوَالِهَا وَتَأَلَّفَهَا, وَذَكَّرَهَا مِنَ النِّعَمِ مَا سَلَّفَهَا, وَأَقَامَهَا عَلَى مَحَجَّةِ التَّعْلِيمِ وَوَقَّفَهَا, وَحَذَّرَهَا مِنَ الزَّلَلِ وَخَوَّفَهَا, وَضَمِنَ لَهَا أَنَّهَا إِنْ جَاهَدَتْ أَسْعَفَهَا, وَإِنْ تَرَكَتْ أَغْرَاضَهَا أَخْلَفَهَا, وَمَا وَعَدَهَا وَعْدًا قَطُّ فَأَخْلَفَهَا وَأَوْضَحَ لَهَا عُيُوبَ الْعَاجِلَةِ وَكَشَفَهَا, وَرَغَّبَهَا في لذة جنة وصفها, فذكر لها منزلها وَغُرَفَهَا وَأَنْهَارَهَا وَطَرَفَهَا, وَحَذَّرَهَا جَهَنَّمَ وَأَسَفَهَا وَغَيْظَهَا عَلَى الْعُصَاةِ وَلَهَفَهَا, وَأَعْلَمَهَا أَنَّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ, وَلَقَدْ أَنْصَفَهَا.
فَعَذَّلْتُهَا وَقَرَّعْتُهَا وَأَوْعَدْتُهَا وَأَسْمَعْتُهَا, فَلَمْ تَرْتَدِعْ عَنْ هَوَاهَا وَلَمْ تَنْزِعْ عَمَّا آذَاهَا, وَرَأَتْ مَصَارِعَ الْقُرَنَاءِ وَمَا كَفَاهَا, وَلَمْ تَأْنَفْ مِنْ ذُنُوبِهَا وَذُلُّ الْمَعَاصِي قَدْ عَلاهَا, وَكَأَنَّ الْخِطَابَ الَّذِي أَتَى مِمَّنْ سَوَّاهَا إِلَى سِوَاهَا.
فَعَلِمْتُ حِينَئِذٍ أَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُحَاسِبُهَا وَتَفْتَقِرُ إِلَى مَنْ يُطَالِبُهَا، وَلا تَسْتَغْنِي عَنْ مُوَبِّخٍ يُعَاتِبُهَا, وَلا بُدَّ مِنْ رَائِضٍ إِنْ وَنَتْ يُعَاقِبُهَا.
فَالْعَجَبُ مِمَّنْ عَرَفَ نَفْسَهُ كَيْفَ أَهْمَلَهَا, وَاللَّهِ لَقَدْ ضرها وقتلها.