فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّ مُعَامَلَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَقَعَ الْغَبْنُ فِيهَا ؟ قُلْنَا وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ مُنْقَسِمِينَ عَلَى دَارَيْنِ: دُنْيَا ، وَآخِرَةٍ ، وَجَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ عَمَلٍ ، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ جَزَاءٍ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ ؛ وَهِيَ الدَّارُ الْمَطْلُوبَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ ؛ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ عَبَثًا ، وَعِنْدَهُ وَقَعَ الْبَيَانُ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} يَعْنِي عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ أَمْثَالِهِ مِمَّا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ ، مُقَدَّسٌ مِنْهُ ، وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ النَّجِدَيْنِ ، وَخَلَقَ لِلْقَلْبِ الْمَعْرِفَةَ وَالْحَوَاسَّ سُبُلًا لَهَا ، وَالْعَقْلُ وَالشَّهْوَةُ يَتَنَازَعَانِ لِلْعَلَائِقِ ، وَالْمَلَكُ يُعَضِّدُ الْعَقْلَ ، وَالشَّيْطَانُ يَحْمِلُ الشَّهْوَةَ ، وَالتَّوْفِيقُ قَرِينُ الْمَلَكِ ، وَالْخِذْلَانُ قَرِينُ الشَّيْطَانِ ، وَالْقَدَرُ مِنْ فَوْقِ [ذَلِكَ] يَحْمِلُ الْعَبْدَ إلَى مَا كُتِبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ فَرَّقَ الْخَلْقَ فَرِيقَيْنِ فِي أَصْلِ الْمِقْدَارِ