وقال بعض الصالحين عن بعض المُتْرَفين: يَعْصون اللهَ في أموالِهم مرَّتين، يَبْخلون بها وهي في أيديهم - يَعني في الحياة - ويُسرفونَ فيها إذا خَرَجَتْ من أيديهم - يَعني بعدَ الموت.
(من أوصى بشرٍّ وكان قاسِياً)
لمّا حضرتِ الحُطيئةَ الوفاةُ اجتمعَ إليه قومُه فقالوا: يا أبا مُلَيْكة: أوْصِ، فقال: وَيْلٌ للشِّعْرِ من راوِيةِ السُّوء؛ قالوا: أوْصِ رَحِمَك اللهُ يا حُطَيْءُ قال: مَن الّذي يقول:
إذا أَنْبَضَ الرّامونَ عَنْها تَرَنَّمَتْ ... تَرَنُّمَ ثَكْلَى أوْجَعَتْها الجَنائِزُ؟
قالوا: الشَّمّاخ؛ قال: أبْلِغوا غَطفانَ أنّه أشعرُ العَرب؛ قالوا: وَيْحك! أهذه وَصِيّةٌ! أوْصِ بما يَنْفَعك! قال: أبْلِغوا أهلَ ضابِئٍ أنّه شاعرٌ حيث يقول:
لِكُلِّ جَديدٍ لَذَّةٌ غَيْرَ أنّني ... رأيْتُ جَديدَ المَوْتِ غَيْرَ لَذيذِ
قالوا: أوْصِ وَيْحك بما يَنْفعُك! قال: أبلِغوا أهلَ امْرئِ القيسِ أنّه أشعرُ العربِ حيثُ يقول:
فيا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كأنَّ نُجومَهُ ... بِكُلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بيَذْبُلِ
قالوا: اتَّقِ اللهَ ودَعْ عنكَ هذا؛ قال: أبلِغوا الأنصارَ أنَّ صاحِبَهم أشعرُ العربِ حيث يقول:
يُغْشَوْنَ حتّى ما تَهِرُّ كِلابُهم ... لا يَسْألونَ عَنِ السَّوادِ المُقْبِلِ
قالوا: هذا لا يغني عنك شيئاً، فقُلْ غيرَ ما أنتَ فيه، فقال:
الشِّعْرُ صَعْبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ ... إذا ارْتَقَى فيه الّذي لا يَعْلَمُهْ
زَلَّتْ بهِ إلى الحَضِيضِ قَدَمُهْ ... يُريدُ أنْ يُعْرِبَه فيُعْجِمُهْ
قالوا: هذا مثلُ الذي كنتَ فيه، فقال:
قَدْ كُنْتُ أحياناً شديدَ المُعْتمَدْ ... وكنتُ ذا غَرْبٍ على الخَصْمِ ألَدّ
فَوَرَدَتْ نَفسي وما كادَتْ تَرِدْ
قالوا: يا أبا مُلَيْكة، ألكَ حاجةٌ؟ قال: لا واللهِ، ولكِنْ أجْزَعُ على المديحِ الجيِّد يُمدَحُ به مَنْ ليس له أهلاً. قالوا: فمَنْ أشعرُ الناس؟ فأوْمَأ بيدِه إلى فيه وقال: هذا الجُحَيْرُ إذا طَمِعَ في خير يعني فمَه واسْتَعْبَرَ باكِياً؛ فقالوا له: قل لا إلهَ إلا الله، فقال:
قالَتْ وفيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ... عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكمُ وحُجْرُ