فقال: يا ربيعُ ائْتِني بِطَهوري، فقام واغتسلَ وصلَّى ولبَّى وتجهَّز للحَجِّ، فلمّا صار في الثلثِ الأوَّل اشتدَّت عِلَّتُه، فجعل يقول: يا ربيعُ ألقِني في حَرَمِ اللهِ، فماتَ ببِئْرِ مَيْمون...
وقالوا: لَقِّنْ ميِّتَك - أي لا إله إلا الله - فإذا قالَها فدَعْه يتكلَّمْ بغيرِها من أمرِ الدُّنيا ولا تُضجِّرْه.
(من امتنع من التوبة عند موته)
اعتلّ أعرابيٌّ، فقيل له: لو تُبْتَ، فقال: لَسْتَ ممَّن يُعطي على الذُّلِّ،
إن عافاني اللهُ تُبْتُ وإلا مِتُّ هكذا...
وقيل للحجّاج: ألا تتوب؟ فقال إنْ كنتُ مُسيئاً فليَسَتْ هذه ساعةَ التوبة، وإن كنت مُحسناً فليست ساعةَ الفَزَع
الفزع: الاسْتِغاثة والاسْتِصْراخ، ولعلّه يريد: أنَّ وقتَ الموتِ ليسَ وقت الحسابِ والمجازاةِ وإنّما ذلك يوم الفزعِ الأكبرِ - يوم البعث - ولعلَّ المعنى: ما دُمْت مُحْسناً فليسَ ثَمَّتَ داعٍ للخوف.
(من يحبّون الموت)
قال عبد الله بن مسعود: ما مِنْ نَفْسٍ حيَّةٍ إلا والموتُ خيرٌ لها، إن كان برّاً فإنّ الله تعالى يقول: {وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} ، وإن كان فاجراً فإن الله تعالى يقول: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} ، وحضر أحدَ الصالحين الموتُ، ففَرِحَ فقيل له: تستبشرُ بالموت؟ فقال: أتَجْعلون قُدومي على خالقٍ أرجوه كمَقامي على مَخْلوقٍ أخافُه!
وسُئِل حكيمٌ عن الموت، فقال: هو فزعُ الأغنياء وشَهْوةُ الفقراء...
وقال بعضهم: لا يكونُ الحكيمُ حكيماً حتّى يعلمَ أن الحياةَ تسترقُّه والموتُ يُعتقُه...
وقال المتنبي:
تَغُرُّ حَلاواتُ النُفُوسِ قلوبَنَا ... فتَخْتَارُ بَعضَ العَيْشِ وَهْوَ حِمامُ
يقول المتنبِّي: حبُّ الحياةِ يَغُرُّ القلبَ حتى يختارَ عيشاً فيه ذلٌّ:
وشَرُّ الحِمامين الزُّؤَامَيْنِ عِيشَةٌ ... يَذِلُّ الذي يَختارُها ويُضَامُ
وقال أيضاً:
وما الدَّهْرُ أهْلٌ أن تُؤَمَّلَ عِندهُ ... حَياةٌ وأنْ يُشْتاقَ فيهِ إلى النَّسْلِ
وقد تقدم وفي هذه القصيدة يقول المتنبي:
نُبَكِّي لِمَوْتانا على غَيْرِ رَغْبةٍ ... تفُوتُ مِنَ الدُّنيا ولا مَوْهِبٍ جَزْلِ
إذا ما تَأمَّلْتَ الزَّمانَ وصَرْفَهُ ... تيَقّنْتَ أنَّ الموتَ ضَرْبٌ من القَتْلِ